المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام حسن  Headshot

حلوة مثل قطفة حبق

تم النشر: تم التحديث:

كانت والدتي تزرع الحبق أمام البيت في القرية والمدينة، وكانت كلّما مرّت قرب إحدى الشتلات تعبث بوريقاتها بلطف؛ ليفوح عطرها الساحر فتقول: تَبَاركَ الرحمن، الجميل أنها ومعظم الفلاحين في منطقتنا حوض نهر الكبير الشمالي، كانوا يزرعون نباتات الزينة مع الخضراوات، وكان من الطبيعي أن تجد في أرض واحدة الفليفلة والبندورة والباذنجان واللوبياء جنباً إلى جنب مع الحبق والعبيتران وزهرة السرايا وغيرها من النباتات، وكان من المشاهد الاعتيادية أيضاً أن ترى السلال المليئة بالخضراوات مغطّاة بأوراق الحبق أو العبيتران.. إلخ.

كنت أرى في هذا السلوك الكثير من الرومانسية، وكنت أنظر بإعجاب كيف يشغل الفلاح جزءاً ولو صغيراً من أرضه بنباتات لا فائدة تجارية منها، فهو لا يزرعها بكميات كبيرة كي يبيعها، بل فقط كي يستمتع بمشاهدتها وبرائحتها أثناء عمله في الأرض، كان من المشاهد المعتادة أيضاً أن ترى الصبايا أو حتى الشباب وقد وضعوا قطوفاً من الحبق خلف آذانهم أو في عراوي قمصانهم، أما العجائز فكنّ يضعنها في صدروهنّ أو في أغطية رؤوسهن كزينة وكمصدر للرائحة العطرية كلّما نسّم الهواء.

استخدمت أمّي الحبق أيضاً كنوع من المُطيّبات حين كانت تصنع "الكبيبات"* فتراها تفرم بعض الوريقات وتخلطها مع اللحم والبصل وبقيّة البهارات فتعطي نكهة لذيذة للطعام، وللحبق مكانة عظيمة شعبياً؛ لذا يستخدم كثيراً في وصف الأشخاص الأصحّاء الجميلين فيقال: فلان أو فلانة كالحبقة؛ دلالة على الجمال والصحة وطيب الأخلاق، كما أنه مضرب مثل في ذات الوقت للضعف والهشاشة، كما حين نسمع أحدهم يتحسّر على شخص مرض ومن ثمّ فارق الحياة، فيقول: ذبل كالحبقة ومات.

ومن استخدامات الحبق أيضاً عند أمي ومعظم أهل الريف في الساحل وضعه في خزائن الثياب وبين الفرش والأغطية الصوفية كمعطّر وطارد للحشرات، ويخلط الناس في بعض المناطق بين "الحبق" و"الريحان"، أمّا في منطقتنا فالريحان غير الحبق؛ حيث الريحان هو نبتة حراجية ويصح أن نسميها شُجيرة أيضاً، وله ثمار لذيذة تدعى "حبّ الآس"، وتسمى الشجيرة أحياناً "الآس"، ونسمع كثيراً في الأعمال الدرامية السورية ذات البيئة الشامية عبارة "تشكل آسي"، والآس يستخدم بكثرة في المقابر؛ حيث تُزيّن به القبور، ومن هنا جاء هذا القول، ويقال أيضاً إنّه من نباتات الجنّة.

كان أبي مثله مثل الكثير من المدخنين يضع قطفة حبق في علبة تبغه المعدنية؛ ليحافظ على رطوبة التبغ ويمنحه نكهة عطرية تزيد من استمتاعه به، كذلك كان في كثير من الأحيان يأخذ ورقة منه ويضعها بين صفحات الكتاب الذي يقرأه كعلامة يستدلّ منها أين وصل، وتبقى تلك العلامة هناك بعد انتهائه من الكتاب، وقد وجدتُ منذ فترة قصيرة إحدى هذه الوريقات في كتاب من كتبه كذلك وجدتُ أخرى في المصحف ولا أظنّه من وضعها هناك.

وللعشّاق أيضاً حصّة من "الحبق"؛ حيث كانت رسائلهم أو "مكاتيبهم" بتعبير تلك الأيّام تضم وريقات الحبق وتعطّرها، فتكون رسالة أخرى تأخذ الحبيب بعيداً في عالم الأحلام، وكم من عاشقٍ طاله العتب لخلوّ مكاتيبه من قطفة حبق أو فرع عبيتران، ومن محبّة النّاس لهذه النبتة كانوا يطلقون على بناتهم اسم "حبقة"، وويلٌ لحبقة إن لم تكن اسماً على مسمّى، وللحبق حكايات وحكايات أتركها لفضولكم للبحث عنها في القصص القديمة بشكل خاص والأشعار والأغنيات.

ــــــــــــــــــــــــ
* الكبيبات: أكلة شعبية تُصنع على شكل أقراص مغزلية قوامها الرئيسي البرغل الناعم، ويتم حشوها باللحم المفروم والبصل والبهارات، ثم تُسلق وتقدّم مع الثوم المدقوق والزيت وعصير الليمون، وهناك الكثير من الاستخدامات للحبق في الطبخ وصناعة العطور والزيوت.. إلخ، لكنني أتكلّم هنا عن استخداماته البسيطة في البيئة التي عشتُ فيها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.