المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام حسن  Headshot

زهرة على شكل ابتسامة

تم النشر: تم التحديث:

كان الصباح كريماً. هدوء في الخارج ونسمات لطيفة تزيح الستارة لتدخل وتجوب الفضاء فوق السرير. بقايا نعاس، ورائحة مسحوق غسيل تختلط برائحة القهوة القادمة من شرفة الجيران، هذا أول ما شغل حواسي لحظة استيقاظي من النوم. جلستُ على طرف السرير وشردت بعيداً ثمّ تذكّرت أنني أفعل هذا كلّ يوم فهززتُ رأسي وابتسمت! ثمّ وجدتني أسأل نفسي: لماذا نبتسم لمثل هذه الأفكار البسيطة؟ ما الذي يجعل من الجلوس المتكرر صباح كل يوم على طرف السرير موضوعاً يستحق الابتسام؟ ولكن رغم ذلك قلت: جميل أن تبدأ نهارك بابتسامة لأيّ سبب كان.

"فيكي"، القطة التي ورطتنا بها ابنتي تقف في باب الغرفة وتراقبني بفضول! أنظر إليها وأقول بصوتي المبحوح: "مياو فيكي" فترد التحية: "مياو" ثم تستدير وتذهب إلى الصالون. أبقى جالساً لعدة دقائق أصحو فيها أكثر، فأنهض وأمشي حافي القدمين باتجاه الصالون.

لا أحد في المنزل! الجميع في الخارج إلّا "فيكي" التي رأيتها من جديد جالسة على "إفريز" النافذة تراقب عدة عصافير تتقافز على أسلاك الكهرباء. أدنو منها محاولاً مداعبتها إلّا أنها تتملّص من يدي وتتنحى جابناً لتتابع العصافير هناك. أتركها لشأنها وأجلس على الكنبة الطويلة حيث وجدتُ جوّالي. أفتحه، فأجد أن لا مكالمات فائتة ولا رسائل لم تقرأ ولا إشعارات من أي نوع. أقول: "لا أخبار جديدة، إذاً كل شيء بخير"! ثمّ أنتبه إلى شحنة التشاؤم الموجودة في هذا القول، فأوبخُ نفسي وأردد في ذهني: "جميل هذا الصباح، حياتي بسيطة، هادئة، عندي عمل، عندي عائلة، عندي أصدقاء لا يتصلون بي، عندي بيت فيه قطّة تراقب العصافير وتقول لي مياو عدّة مرّات في اليوم، عندي وجع في الظهر لا يمنعني من القيام بأعمالي اليومية، وعندي ما يشغلني ويخفف عنّي وجع الرأس، فماذا أريد بعد؟!"

فكرتُ للحظة أن أشغّل التلفاز، إلّا أنني تراجعتُ حين تخيلتُ الشريط الأخباري "الأفعى الحمراء" ينسلّ أمامي حاملاً معه أخبار الموت. هكذا كنتُ أرى الأمر، والأصح هكذا كنتُ أحب أن أرى الأمر مع معرفتي أن هناك الكثير من الأخبار الأخرى التي لا تتعلق بالموت تمرّ فوق هذا الشريط، لكن من كانت بلاده في مهب الريح سيجد نفسه باللاشعور يلاحق أخبار الموت والقتل والدمار ليس من باب التشاؤم الذي لا أحبه كما ذكرت منذ قليل، لكن بحثاً عن زهرة بريّة تنبت وتخرج من بين الركام، حيث من المفترض أن تنبت وليس من أي مكان آخر. زهرة تأخّر ظهورها حتّى كدنا ننسى ماذا ننتظر وانشغلنا عنها بآلامنا وربما حاولت الخروج ولم تجد من يرويها بحفنة من الماء ويحميها من حوافر الموت.

لم أشعر بحاجتي لأي شيء! كنتُ جالساً دون هدف أحدّق في الجدران حيث علّقت بعض اللوحات الفنية التي جاءتني كهدايا من أصدقاء صاروا اليوم خارج البلاد ولم يبق من ذكراهم سوى هذه الألوان تشاكسني وتحول بيني وبين الانسياب إلى الحالة التي أحب. حالة الرحم الفكري العميق، المظلم، الهادئ، البارد، البعيد عن معسكر الوعي. الغارق في الصمت. لكن هذا لم يحصل إذ يبدو أنني غير مستعد لهذه اللعبة بعد.

هل هناك فعلاً خالق لهذا الكون؟ وجدتني أسأل نفسي هذا السؤال دون سبب ودون مقدمات! ثم توالت الأسئلة: ماذا سيحصل إن تعرضت الأرض لكارثة كونية ودُمّرت وتحولت إلى غبار كوني؟ من سيعي هذا الكون؟ هل الكون موجود خارج وعينا بالفعل؟ إن كان هناك خالق لهذا الكون هل هو نفسه الذي يعبده البشر اليوم؟ الله الذي خلق رائحة الحبق والجوري والفل والياسمين.. هل هو نفسه الذي يريدنا أن نأكل في الوقت الفلاني أو نصوم في الوقت العلاني وسيعاقبنا إن لم نفعل؟ هل الله الذي خلق المجرّات والأكوان بكل ما فيها من عظمة هو نفسه الذي يريدنا أن نذهب وندور حول الكعبة سبع مرّات.. إلخ. ثم نمسك الحصى ونرمي به الشيطان مجسداً بعمود من الأسمنت! غريب هذا الأمر!

يمكنني افتراضياً الإيمان به كخالق للزهور والماء والإنسان والنسمات العليلة والبرد والثلج وكل الأشياء الأخرى الموجودة في الطبيعة مهما كانت قبيحة أو جميلة، مفيدة أم مضرّة.. إلخ. يمكنني الإيمان به كخالق لكل ذلك، لكن يصعب عليّ مهما حاولت أن أصدّق أنه يريد مني قتل من لا يؤمن به، أو قطع يد من يسرق، أو جلد من يزني، أو رجم من تزني حتى الموت حتى لو كان هناك ألف شاهد شاهدوا بأم العين عملية كيف دخل المرود بالمكحلة وبالتفصيل الممل.. إلخ. وأرى أن هذه القوانين والشرائع وضعها الإنسان لغايات في نفسه طورها عبر التاريخ حسب حاجته لها، كما طوّر بقية الأشياء التي احتاجها، ولا علاقة لله بها إلّا كعلاقتي بمواء "فيكي" الغريب وبسلوكها ومشاعرها، وهي تراقب العصافير من خلف زجاج النافذة كل يوم.

فراشة صغيرة ترفرف خلف زجاج النافذة، فراشة مضطربة تريد الدخول للوقوع بين فكي "فيكي" التي استنفرت لمشهد الفراشة وتحفّزت إلى أقصى حد. منظر الفراشة أخرج "فيكي" من حالتها كما أخرجني من شرودي وأعادني إلى الواقع لأسمع أصوات الحياة بدأت تدب في الخارج ولأسمع صوت طرق خفيف على الباب.

فتحت، لأجد طفلة لا تتجاوز خمس سنوات من العمر، في يدها ورقة كُتب فيها "ساعدوا هذه الطفلة. فقدت أهلها كلّهم، وهي خرساء وصمّاء". كانت الطفلة تبتسم ابتسامة تزيح القلب من مكانه، ابتسامة تشبه زهرة خارجة من تحت الركام للتو، وكان الله يومئ لي من بعيد بإشارات مبهمة، ولم أفهمه!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.