المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام حسن  Headshot

الأشياء وقتل الشاعر الصغير

تم النشر: تم التحديث:

قالت زوجتي: بدأ العمر يفعل فعله فينا. قلت: كيف؟ قالت: انظر! صرنا نضع مقص الأظافر في المكان نفسه. ضحكتُ وحاولتُ تجاهلَ الملاحظة؛ لكن أين المفر؟! فعلاً نحن خصّصنا مكاناً لمقصّ الأظافر دون انتباه لهذا الأمر!

لا أعرف كيف ستفهمون كلامي! ولا يوجد طريقة أخرى لقوله، فإن شرحته أكثر فَقَدَ معناه. هكذا بعض الأمور، إما نقبلها كما هي أو تصبح لغزاً عصيًّا على الفهم. لو نظرتم إلى كتلة المفاتيح التي أحملها مجموعةً بقلادةٍ عليها رسم لـ"حنظلة" لوجدتم فيها مفاتيح إذا سألني أحدكم عن استخدامها لما عرفت أو تذكرت! ولا أجد الجرأة لرميها أو على الأقل لوضعها جانباً. أقول: ربما أحتاجها يوماً؛ من يدري؟ ولا أحتاجها. ويشغلني السؤال: لماذا نتمسّك كلّما تقدّمنا في العمر بأشياء من هذا النوع؟

منذ عدّة سنوات انتقلنا إلى بيتنا الجديد، ويا لهول الأغراض الفائضة التي اكتشفتُ أننّا نحتفظُ بها! لو أحصيتها لما استغربت إنْ تماثلتْ مع عدد الأيام التي تركناها خلفنا. هل هذا هو الجواب؟ أهي تعويض عن خسائرنا؟ من يعلم؟ هكذا هي الأشياء لا تبوح بأسرارها دائماً، ونحن على خلاف ما يخطر في بالنا، أفقدتنا سنوات عمرنا البراءة اللازمة لفكّ خفاياها. ما حاجتي اليوم لصورة قطار ينفث الدخان وسط سهلٍ تغمره الثلوج فيبدو كخطٍ ملتوٍ رسمه طفل بإصرارٍ مرتين؟ ما حاجتي لورقة مطويةٍ تآكلتْ أطرافها؛ إذا فتحتَها وجدتَ فيها خصلة شعر لصبية شقراء "تقرط بحرف الراء" أهدتني إيّاها قبل لا أدري كم من السنين؟ أو زرٍّ سقط من سروالي القديم، احتفظتُ به لتعيده أمي كما كان. فكبرتُ أو صغرَ السروال.. من يدري؟

وبقي ليكذّبني كلّما قلت: الأمهات لا يتركن أولادهنَّ رَهْنَ سروالٍ بزر مقطوعٍ. ماذا أقول عن بقايا عدّة الحلاقة الصدئة وشفرات "الناسيت"؟ ماذا أقول عن قصاصات الورق التي تركها الأصدقاء على باب بيتنا حين لم يجدونا في البيت؟ هذا يشتمنا فيكتب: أين أنتم يا كلاب الروم؟ وذاك يشمتُ بنا: لو كنتم هنا لأكلتم مشبّك وكنافة وعوّامات. قصاصة أخرى تحمل توقيع الجابي: ادفعوا الفاتورة وإلّا سنقطع عنكم الكهرباء! مئات القصاصات فيها حكايات وطرائف وألعاب خبيثة وشيطنات رفاقية ظريفة. هاكم إحداها لصديقين..

الأول كتب: أتيتُ ولحسن حظي لم أجدكم! فيضيف الآخر: أنا أيضاً حالفني الحظ! ورسالة ودودة غير موقّعة: لن يمنعني عن رؤيتكم باب مغلق.. سأعود. كذلك للحزن مكان كما في هذه الرسالة: بسلامة رأسكم ماتت الماما اليوم. والغريب أنّ كاتبها لم ينسَ وضع التاريخ والتوقيع مع الاسم تحت الخبر الأليم! وأخرى من صديق: نحن عند سعاد؛ سقط الجنين.

ما حاجتي لأوراق مفكّرة الهاشمية من العام 1992 ولو كُتبَ على إحداها مقطعاً من رباعيات الخيام: سمعتُ صوتاً هاتِفاً في السَّحرْ** نادى مِنَ الغيب غُفَاةَ البشرْ
هُبُّوا املأوا كأسَ المُنى قَبلَ أنْ ** تَمْلأَ كأسَ العمرِ كفُّ القدرْ
لا تشغلِ البالْ بماضي الزمانْ ** ولا بآتِ العيشِ قبلَ الأوان،
واغنم مِنَ الحاضر لذَّاتِهِ ** فليسَ في طبع الليالي الأمانْ..
غدٌ بظهرِ الغيبْ، واليومُ لي ** وكمْ يخيبُ الظنُّ بالمقبلِ.

هل ستتأثرون لو قلتُ: إنّني أحتفظ بكل الأسنان اللبنية لابنتي "ماريا" وابني "ورد" مسجّل على كل منها تاريخ خلعه. ومعها حبل السّرة لكليهما حفظتهما بعلبة لأفلام "كوداك" مدوّنٌ عليها تاريخ انفصاله عن جسد كل منهما؟ اخترت هذه الأشياء البسيطة لخصوصيتها وصغر حجمها. ولن أحدّثكم عن أكوام الثياب والأحذية الحزينة! أومدفأة الكهرباء البالية والعشرات من العلب الفارغة.. من أي شيء؟! لن أحدّثكم عن البرّاد المعتلِّ والمروحة العوجاء وقطارميز الزيتون المنسي والمكدوس المعفّن، وفردات الجوارب المخبأة في الأدراج لسنين أملاً في العثور على أخواتها، ولم نعثر عليها إلا بعد أن رميناها! فأصبح عندنا من جديد فردات أخرى؛ لكن بلا أمل، لم نعرف ماذا نفعل بها فرميناها غير آسفين. انظر! هكذا أحياناً تلعب بنا الأقدار.

قال صديقي: عندما أموت احفروا لي قبرين؛ واحد صغير لجسدي النحيل وآخر أكبر لذكرياتي وأشيائي. صديقي يعيش مع أشيائه هذه في مكان قصي بعيداً عن الضجيج والناس. بين زهر الليمون وأشجار الزيتون. أشياؤه كتبٌ منوعة ودفاتر أشعار، وأحجار مزركشة بكتاباتٍ فائقة البساطة يشوبها الشوق يغلبها الحنين. أيّ رجلٍ هذا الذي ينشغل بالكتابة على حجرٍ عن الشوق والحنين؟! في الصباح توقظ صديقي زقزقة عصافير الدوري، في الظهيرة "يتغدّى ويتمدّى" على صوت الحسّون، وإذا أقبل الليل يشغله نقيق الضفادع وصوت "الزكازيك" عن سحر فيروز أو سطوة أم كلثوم. في بيته أكوام من الجرائد والمجلات والكاسيتات، والكتب النائمة؛ يعلوها غبار سحري قديم. والأزهار المجففة ودروع السلاحف كأنها البيوت غادرتها سلاحفها؛ لكن إلى أين؟ زرته ذات شتاء والبرد قارس زمهرير. وجدته جالساً في السرير يقرأ كتاباً عن الحب وأسرار العشق الجميل، متدثراً بغطاءٍ صوفي سميك. قلتُ في نفسي: يا للمسكين! لا يملك شيئاً من المازوت. وإذ به يقوم ليوقد المدفأة بحماسة طفل زاره العيد. ضحكتُ وسألته: لماذا كنت تجلس في البرد إذاً؟ قال: لا أملك إلا القليل من المازوت؛ تركته للاحتفاء بصديق، وها أنت أتيت. تأثّرتُ وداهمتني تلك الغصة اللعينة فداريتها بممازحته ولطمته على مؤخرته بشكل خفيف. ضحك قائلاً: دع عنك هذه، فضّلتُكَ عليها بالدفءِ والوقود. أجبته: بارك الله فيك.

لا تعي الأشياء وجودها، فالوعي خاصة من خصائصنا نحن أذكى الكائنات. إذاً، ما هي المعادلة التي تحكم الأشياء؟ اترك حصاة صغيرة على طرف جدار وعد بعد عشرات السنين ستجدها قابعة هناك بانتظارك، ألمْ تَمَلّ الانتظار!
هكذا يسأل الأطفال، ومن نحن أمام الأطفال؟ كذلك ابن صديقنا تساءل باكياً ليلة انتقالهم إلى مسكنٍ جديد: بابا، ما بيكون زعلان علينا بيتنا القديم؟ ليتبرع أحدكم ويتحاذق على دموعه ويقول: ليس للبيوت يا صغيري مشاعر أو أحاسيس. اعلموا، إن فعلتم، قتلتم شاعر الأشياء الصغير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.