المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام حسن  Headshot

الكاتب والقارئ ومواقع التواصل الاجتماعي

تم النشر: تم التحديث:

ماذا يعني الكاتب بالنسبة للقارئ؟ قبل أن أجيب عن هذا السؤال قد يكون من المفيد أن أطرح على نفسي السؤال المعاكس: ماذا يعني القارئ بالنسبة للكاتب؟

وسأجيب عنه بما قد يكون بديهياً عند البعض، وقد لا يكون كذلك عند آخرين. وسأقارب الموضوع باختصار شديد وببساطة أشدّ علّي أستطيع إيصال الفكرة بأقل عدد ممكن من الكلمات وسأترك لكم - كقرّاء - مشاركتي في الإجابة عن السؤال الأول بعد أن أجيب عليه أيضاً بنفس الاختصار والبساطة.

أمّا الذي دفعني إلى طرح هذا السؤال وعكسه، فهو ما أراه على صفحات "فيسبوك" والمواقع الأخرى الشبيهة من سوء فهم مستشرٍ بين الكتّاب والقرّاء، خاصّة أنك قد تكون في لحظة ما كاتباً على صفحتك لتتحول خلال لحظات إلى قارئ على صفحات الآخرين، وهكذا فالدور المتبادل بين القارئ والكاتب والذي من المفترض أن يقرّب بين هذا وذاك يبدو أنّه لا يفعل لذات الأسباب!

أرى بدايةً أنّ القارئ ليس زبوناً بالمفهوم التجاري بالنسبة للكاتب، مثلما هو بالنسبة لبائعي الكتب. أي لا تنطبق عليه العبارة الذهبية (الزبون دائماً على حق). مع الانتباه إلى أنّ عملية شراء الكتاب ليست بالعلاقة الثانوية بين الاثنين "الكاتب والقارئ".

وهذا حديثٌ يطول، فعلاقة القارئ بالكتاب ومدى إقباله على شرائه لها أسبابها التي قد تبدأ بالحالة الاقتصادية للفرد ولا تنتهي عند حريّة الرأي والتعبير والحالة السياسية للبلاد، مروراً بالكثير من المسائل التي تؤثر على تلكَ العلاقة بهذا القدر أو ذاك، وقد كُتبَ في هذا ما يُغني عن القول.

أمّا في عالم "الفيسبوك"، و"الإنترنت" عموماً، فالأمر لا يتعلّق بالكتاب وشرائه بل يتعلّق بنص مطروح عبر شبكة "الإنترنت" يظهر على شاشة الكومبيوتر ومتاح - غالباً - للجميع. لذا من المفترض أن تكون العلاقة أقلّ تعقيداً، وهي ليست كذلك - برأيي - رغم كلّ شيء!

وأريد أن أنوّه هنا إلى أنّ المقصود بكل ذلك هي الصفحات التي تطرح نصوصاً إبداعية بمختلف المجالات وليس صفحات التسلية والألعاب أو الدعايات التجارية وما لفّ لفّها، فتلك لها عالم آخر مختلف كليّاً ولا ينطبق عليها ما سأتحدّث عنه، ليس استخفافاً بدورها ومكانتها في هذا العالم الافتراضي، ولكن لأنها خارج الموضوع لا أكثر ولا أقل.

وبالعودة إلى أصل السؤال فأنا - ككاتب هنا - أنظر إلى القارئ كشريك، وأرى أنّ العلاقة الصحيّة بين الكاتب والقارئ هي علاقة شراكة وجدانية ذات بعد إنساني تعود بالنفع على الطرفين باعتبارهما ينتميان من جهة إلى منظومة اجتماعية واحدة معبَّرٌ عنها واقعياً بأصغر شكل للوحدات الاجتماعية (العائلة، ومكوناتها من الأفراد)، انتهاءً بما يجمع كلّ هذه الوحدات على اختلاف انتماءاتها الثقافية والمذهبية والإثنية ... الخ، في حضنٍ واحدٍ هو الوطن الكلّي.

ومن جهة أخرى باعتبارهما ينتميان إلى ما هو أشمل، إلى ما يُعتبر قمّة الارتقاء في تطور الكائنات الحيّة ألا وهو الـ"بني آدم" الذي يتسامى بصفته (الإنسانية) والتي من المفترض أن تدّل على رقيّهِ وسموّ مكانتهِ بين بقيّة الكائنات من حيث وعيهِ لذاتهِ بالدرجة الأولى وقدرته على توظيف هذا الوعي في خلق حياة رغيدة هانئة لبني جنسهِ تسودها المحبّة والسلام والعدالة الاجتماعية وكلّ القيم الأخرى التي تخدم هذه القضية والتي يمتلكُ فعلاً كلّ المقومات اللازمة لوضعها موضع التنفيذ لكنه للأسف فشل فشلاً ذريعاً في معظم بقاع الأرض - لا أملك الجرأة للقول كلّها - ولم يحقق إلّا النذر اليسير مما يدّعيه أو يصبو إليه!

أمّا بالنسبة لي - كقارئ هذه المرّة - فأنا أجد أنّ الكاتب بصفته مبدعاً ومثقّفاً هو أحد الذين تُناط بهم مهمة إنارة الطريق وفتح نوافذ العقل على ما من شأنه أن يشير إلى إمكانية تحقيق ولو جزء يسير مما أشرنا إليه باعتبار العقل هو المفتاح الأهم عند الجنس البشري والأداة الأكثر فعالية التي مكّنتهُ عبر مسيرته التاريخية من تحقيق التفوق الذي يعيشه اليوم.

ما يمكننا أن نفهم لماذا تستبسل الأنظمة القمعية، والقمعية المقنّعة - إن صحّ التعبير- وكلّ على طريقته وحسب مصلحتهِ، في تكميم أفواه المثقفين والمبدعين من كتّاب ورسّامين وشعراء وكلّ من له دور في نشر أشرعة العقل وتمكين النّاس من الإبحار الحر وتلمّس طريقهم بعيداً عن الوصاية الفكرية التي تعتبر العدو الأول لأي مجتمع يسعى للنهوض والتطور والمشاركة بصناعة المستقبل والمشاركة فيه.

إذاً الكاتب ليس "صاحب بضاعة" يطرحها في السّوق وينتظر إقبال الناس عليها. بل هو بما يطرحه موضوع للحوار والنقاش - والاستمتاع - وفرصةً لإضافة المزيد من المعلومات إلى مخزوننا المعرفي ولو بشكل غير مباشر، وبالتالي إلى تحسين وتطوير أدواتنا من أجل الوصول إلى وضع يمكّننا من فهم قيمة التراكم المعرفي بكل أنواعه الذي من خلاله وبه نصعد سلّم الحضارة درجة درجة.

على خلاف ما عاشته مجتمعاتنا منذ أكثر من ألف عام والتي اجتهدت واستبسلت كل جماعة فيها بمجرد وصولها إلى السلطة بتدمير نتاج كل ما سبقها بكافة المجالات وإعادة بنائه بالشكل الذي يخدمها، ما جعلنا - كما يقولون - نعيد إنتاج العجلة ونتباهى بكل صفاقة بذلك.

في الوقت الذي بات أغلب البشر ينظرون إلى هذا الاختراع على أنه تحصيل حاصل ولا يشغلهم بشيء سوى البحث عن طرق جديدة للاستفادة منه أو تطويره أو حتّى البحث عن بديل له إن أمكن الأمر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.