المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عصام حسن  Headshot

دق، دق، دق

تم النشر: تم التحديث:

أذكر كنّا صغيرَين أنا وهي.. وأذكر الشجرة التي كنّا نتسلّق كانت صغيرة مثلنا. وأذكر بيوتنا أسفلها.. بضع حجارة مصفوفة بعناية طفلٍ يفصل بينها ضحكاتنا وشيطناتنا، وأذكر كيف بنيناها وكيف قسَّمناها وكيف تشاركنا فيها لهونا. وأذكر أنّا كنّا نزور بعضنا، نقف في الباب، نطرق الهواء ونصدر صوت، دق، دق، دق من أفواهنا، فتفتح لي ضاحكةً وتميل بخصرها: فتّح، فتّح، ابتسم بأدب، أسلم عليها: كيف حالك جارتنا، تبتسم هي الأخرى وتسلّم عليّ بأطراف أصابعها فأستغلّ فرصة انشغالها بتمثيل الدور وأبوسها، تخجل، تحمرّ، تركض هاربة إلى بيتنا، تشكوني لأمي قائلة: هيدا ابنك باسني! أمي تقول: ما بقى تبوسا يا ولد، روحوا العبوا لعبة ما فيها بوس، وإلّا! نعود ضاحكين ونلعب لعبة أخرى تنتهي بشكوى جديدة فيها من أفعالي ما هو أدهى.

كبرنا وكبرتْ معنا شجرتنا، ولم يبقَ من بيوتنا أسفلها إلّا ذكراها ماثلة كالقلاع في أذهاننا.
كلما ذهبتُ إلى بيتنا الحجري القديم قرب بيتها أقف تحت شجرة الجوز تلك وأعود بذاكرتي إلى أيامٍ مضتْ. أنظر إلى الساحة الكبيرة التي كنا نلعب فيها وأتعجب! أقول لنفسي: ما أصغرها.. ما أصغرها! أجلس على الجرن الحجري، أمرّر كفي فوق سطحه، أتذكر كيف كانت تقوم بهذه الحركة حين كانت تخاصمني ونحن طفلان تبللنا البراءة، ثم حين كبرنا وصرنا مراهقين نحتال على قلبينا، ثم في شبابنا حين كنا نتسابق للقاء مصيرنا. أمرّر يدي ثانية، أقول: أين أنتِ يا يدها؟ أتذكر مواقف صغيرة في مراحل مختلفة من حياتنا وألوم نفسي: ليتني ما زعّلتها. ليتني أعطيتها "أم علي الدعبلي" وزيزها الملون، ليتني لم أنزع الزر الفضي عن لعبتها فأجعلها تفقد عينها، ليتني لم أتمنّع يوم طلبتْ مني أن تكون آنستي وأتلقى على كفيّ لسعات مسطرتها، ليتني رسمتُ وردة على بياض نهدها يوم أخذتُ دور الطبيب وفحصتها. ليت أمي تعود اليوم من موتها لأتجاهل تهديداتها ثانية وأضمّها.

أمرّر كفّي مرّة تلو الأخرى فوق سطح الجرن بشرود وأستعيد هذه الذكريات اللطيفة. أشعر بقلبي يُعتصر، أراقب دموعي تتساقط وأقول: ليتها كانت هنا. أفكر كيف فرّقتنا الأيام وكيف ضيّعنا بعنادنا حبّنا. وأتذكّر تلك الليلة الصيفية المقمرة، هي تنشر الغسيل على سطح بيتها وأنا أساعدها خلسة عن أهلها، وكيف كنا نضحك كلما انتشلتْ من بين الثياب كلسوناً لأبيها أو لأمّها، وأذكر كيف كانت تخجل وتخفي عني ثيابها، وكيف كنتُ أصرُّ على رؤية حمّالة صدرها، فأمسكها وأشمها ثم أراقصها وإلى صدري أضمّها. تضحك بجنون وتسمع أمها في البيت ضحكها، وتصرخ بصوتها المجروح: اضحكي لقلك اضحكي! بدي أعرف شو آخرتو هالضحك معك؟ فنضحك معها أنا والقمر وغسيلها. وأذكر كيف كانت تهرب مني بغنجٍ كلما حاولت الإحاطة بخصرها وكيف كانت تتوارى بين قطع الغسيل راكضة فأتبعها، وأذكر رذاذ الماء المعطّر كيف كان يحيله ضوء القمر إلى نجوم تزيّن شعرها، وأطلب منها: دعيني أقطف نجمة. فتضحك بخبث رافضةً وتهز رأسها. فأشاغلها وعلى ثغرها أزرع قبلتي الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة وأنسى النجوم وقطافها.

هكذا تأخذنا اللذّة إلى عالم غير عالمنا، إلى أن نسمع نحنحات والدها فنقفز عن حافة سطحهم إلى سطحنا ومن هناك نفترق أنا إلى جنتي وهي إلى بيتها.

كنت أزور هذا المكان أكثر من مرة في السنة وفي كل مرة كنت أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام الجميلة وأغوص فيها مستمتعاً بعذوبتها وبراءتها. أقضي بعض الوقت ثم أعود إلى حياتي وأنا أكثر رغبة بالحياة وأكثر تفاؤلاً بالأيام القادمة. ومثل كل مرة ذهبت منذ عدة أيام لأزور بيتنا القديم وأسترجع ذكرياتي فيه. ركنتُ سيّارتي خلف البيت وفتحت الباب الخشبي الذي يفضي إلى الساحة الترابية التي فيها شجرة الجوز والجرن الحجري. وقفتُ مذهولاً غير مصدّق.. كانت تجلس على الجرن الحجري بكامل ألقها وتنظر إليّ كأنها تنتظر قدومي وكأني على موعد معها! تمالكتُ نفسي ولم أقع أرضاً. تقدمت نحوها، وقفتُ، رفعتُ يدي، طرقتُ الهواء، دق، دق، دق.. تغيّرتْ معالمها، غابتْ ابتسامتها، تشنّجَ وجهها، ضغطتْ على شفتيها بقوة وهي تنظر إليّ وتهز رأسها هزات خفيفة بطيئة كأنها تعاتبني ثم أجهشتْ بالبكاء قائلةً من بين دموعها بصوت يقطع نياط القلب: فتّح، فتّح. تقدمتُ مسرعاً نحوها فارتمت عليّ بقوة ودفنتْ رأسها في صدري وهي تشهق، كذلك أنا فقدت كل قدرة على المقاومة وبدأتُ البكاء معها.

ثم أعدنا بناء بيتينا بالحجارة من جديد، واستحضرنا طيف أمي، وخرقنا كل تعهداتنا. وأرجعتُ لها "أم علي الدعبلي" والزيز الملّون، وأعدتُ شبكَ زر لعبتها فرجعتْ ترى من جديد، وتلقيتُ لسعات مسطرتها فوق كفي بكل سرور، وبدل الزهرة رسمتُ حقل أزهار فوق بياض نهدها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.