المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسراء سعيد فتيان Headshot

الخلفية الأخيرة لمسلسل ٣٠ يوم

تم النشر: تم التحديث:

في الفترة الأخيرة تم طرح فكرة مختلفة في صيغة مسلسل، الفكرة تدور بشكل خرافي حول تعرض أحد الدكاترة النفسيين لضغط نفسي، وإن لم يكن انهياراً نفسياً بشكل كامل، لكن الحقيقة أن هذا المسلسل يعتبر بمثابة رحلة عابرة تجعلك تعيد ترتيب الأحداث الحياتية في عقلك، تعيد ترتيب المشهد بشكل كامل، تجعلك تجزم بأن هناك شيئاً ما يستحق إعادة الصيغة النفسية والفكرية مرة أخرى، فالعادة عندما تضع الإنسان تحت ضغط نفسي مستمر فإنه يمر، بـ"ثلاث مراحل" متلاحقة ومتواصلة، بداية بمرحلة التربص والصمود، وهي المحاولة الكاملة لثبات وإثبات القدرة على اجتياز ذلك السلوك، ومن هنا يتمسك الإنسان بالقيم والمبادئ العظيمة التي نما وشاب عليها، وهذا ما اضطر الكاتب إلى أن يثبت في العشرة أيام الأول، وهو محاولة الدكتور طارق حلمي في التمسك بالقيم والمبادئ، ورفض كل المتزعزعات عما نشأ عليه، ثم انتقل بعد ذلك إلى مرحلة المقاومة، وهو عدم الاستجابة للتأثيرات التي أجزم أنها أرهقتني عند متابعة المسلسل، وفقداني التام لتمالك القوى الذاتية والنفسية.

بدأ الموضوع بتطور في حالة الضغط على نقاط الضعف لدى الدكتور، وفي هذه الحالة حاول الكاتب توضيح فكرة "أننا كلنا مثاليون إلا حينما نكون في مواجهة حرة مع نقاط ضعفنا"، انتقل إلى المرحلة الأخيرة في التجربة النفسية، وهي مرحلة الفشل أو الاستسلام، فما كان يعرض عليه في بداية القصة، وكان يوجهه بالرفض القاطع بدأ يفعله بشكل معتاد؛ كي لا يفقد ما تبقى منه، وأصبح الإنسان أمام عقيدته الحقيقية، العقيدة الداخلية التي نما عليها، ففكرة أن يتعلق مصيرك أو قدرك بشخص ما، أو على الأقل يرتبط كل يوم بحالة مختلفة تجعلك تحت ضغط مختلف، يجعلك تضع كل ما تبقى منك في زاوية التفكير، وربما تصاب بحالة من الهلع، التي تؤدي بالمعتاد إلى الجنون.

وربما أراد الكاتب نقل حقيقة مصاغة هي مدى نعمة الله في عدم معرفة ابن آدم الغيب، الحساب المستمر، أو الملحوظ، أو فكرة عدم الستر، على الأقل فيما يحدث بداخلنا.

يبدو الأمر مخيفاً على الإطلاق، فتلك التجربة التي كان عنوانها "كيفية قتل إنسان وهو ما زال على قيد الحياة"، يبدو الأمر معقداً، وربما أراد الكاتب إظهار رحمة الله في العفو، واختيار الموت كحالة نهائية لرحلة الحياة، وأيضاً عدم تمكين الإنسان في التأثير على غيره، أو على الأقل لا يكون الحاكم الرئيسي.

عندما يوضع الإنسان في حالة خوف مستمر أو خوف مطلق، لا يستطيع الانسياب في عالمه، أو ربما يؤدي إلى الموت المطلق، هذا المسلسل بمثابة رحلة تخوضها مع ذاتك، دون أن تشعر، تجعلك تتأثر كلياً بما حولك، فتعتبر أكبر معركة على ما أعتقد يخوضها الإنسان هي مع ذاته؛ لأنه هو كلا الطرفين، ففي كلتا الحالتين سيفقد جزءاً منه، أعتقد أن هذه الرحلة ستنتهي بمعرفة أن كل ما حولك يستحق المراجعة والمشاهدة بجميع الزوايا، لكني ما زلت في حالة من الذهول التام من النهاية، وكأن الكاتب اعتاد على النمط الدرامي العربي السخيف، وهو الهروب من الاختلاف والوضع في الحال المعتاد، بمعنى أنه ابتعد عن زاوية الشكوك في الجاني.

في النهاية كنت أتمنى أن تكون النهاية تجربة حقيقية أراد بها وضع شخص مُلم بالحالات النفسية تحت التجربة النفسية الكاملة، وعرضه أمام فكرة أنه الجاني والمجني عليه، الواقع أمامَ الضغوط المختلفة التي تثبت أنه ليس كل ما نعرف يجعلنا نتحمل المسؤولية التامة أو الكاملة بأفعالنا، وأن الإنسان لا ينسى تماماً أن سبب وجوده على الأرض هو الخطأ، وعقاب الله لآدم عليه السلام، وهذا ما يشبه تماماً الصراع الداخلي لدى الإنسان، فكل أطراف المعركة ذات تأثير عليه؛ لذلك الأمر كان لا بد أن يصَاغ بهذه الطريقة.

لكنى ما زلت أقسم أنه من أفضل الأعمال الدرامية هذا العام، التي لا بد أن تبقى في الذاكرة مع تقدم العمل الدرامي.

في الحقيقة أود أن أوضح شيئاً ما مُبهماً لدى المُتفرج، أو الذي أراد الكاتب أن يحمله بمُجمل التورية، وهو أنه لا يوجد على الأرض إنسان مثالي، أو على الأقل كامل، فكلنا مرضى نفسيون تختلف الأسباب، لكن الشعور الفطري واحد، شعور الألم، وانقلاب الروح على ما هو معتاد بشكل مخيف.

ولا تستطيع أن تحكم على ذاتك بأنك شخص جيد، أو تحكم على الآخر إلا إذا استبدلت الموقف ووضعت نفسك بداخله.

أشعر الآن بالكمال التام لنظرة الموضوعية للأبعاد التي أراد الكاتب أن يصوغها بشكل خرافي، ولكنه قد حالفه الحظ، واستثمر الوقت بتجسيد الشخصية "بباسل الخياط"، المبدع كعادته، والتأثير الواضح، والاستجابة الكاملة لـ"آسر ياسين"، العمل الكامل كعادته يجعلك تخجل أن تذكر عيوبه، أو تستخرج نقاط الضعف به.

لذلك عليك أن تعيد ترتيب المشهد الذي تعيش فيه؛ كي لا تعيش ثلاثين يوماً تحت ضغط نفسي، وتفقد كل ما تدعي من مبادئ وقيم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.