المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مراد إسماعيل المصري  Headshot

اكتشِف ذاتك.. تحرّر

تم النشر: تم التحديث:

يستطيع كل واحد منا أن يجد ذاته التي فقدها تحت أنقاض الخيبات المتكررة، فلكل خيبة مدى يصل إلى الأفق البعيد في أرضٍ مستوية.

كل ما أعرفه أن الظلام يقتاتُ على الأرواح المنكسرة، وينمو في بيئة السوداوية واليأس، فنحن مَن نقيّد أرواحنا، ونكسوها بثوب التشاؤم والفناء، ثم نقول هذه قسمتنا من الله، وتلك هي حياتنا ومشيئة الأقدار فينا من قبل أن توجد الخليقة.
فهل قدر الله يأتي قبل موعده؟ ثمَّ لماذا نحكم على العدم؟ ولمَ لا نرجو من الله ما نرجوه من غيره؟

يحكي لي جدّي عن أيام الشباب، يصف بساطة الحياة، وعذوبة الناس وقتها، ويسترسل في الحديث عن أشخاص قد ضنّت الأرحام أن تلد أمثالهم.
فهذا الذي قاتل المستعمرين ببارودة صيد، وتلك المرأة وضعت كل مواليدها بين ثنايا بساتين القمح المصفرة، ولا يختتم كلامه برجل آمَن بعدل الله عز وجل، فنجا من ظلمات السجن والظلم مرات عدة.

الآن.. ليتك تعلم حالنا يا جدي، فقد أصبحنا نُهْزَم بلا مقاومة، ونقاوم الأمل الذي وعدنا الله به باستسلام الضحية للجلاد!

إنّ النفس البشرية طماعة بطبيعتها، جشعة المعالم، ودقيقة الملامح والقسمات، فلا نهاية لأهوائها، ولا حدود للامبالاتها تجاه تجاوز المعقول، وإن عملية التحكم بالرغبات والأهواء لا يمكن أن تكون بين يوم وليلة، بل لا بدّ أن تكون بين كتاب ومسجد، وفي ثنايا النظر إلى عظمة الله تعالى في خلقنا، وخلق الأشياء كلها من حولنا، فكم من نعمة مغبون بها لا نعلم قيمتها؟
وكم هي عدد اكتشافاتنا اليومية لمواهب وطاقات فينا، لم نكن نعلم بها، قبل أن تظهر على حين اجتهاد؟

تعاني الشعوب العربية -في مجملها- من وهن عام في ثقافة الثقة بالنفس، فلم تستطعْ كل النكبات التي تجرعها الإنسان العربي أن توقظ شعوره بأنه يستطيع -وبدون الاعتماد على الآخرين- ممارسة نشاطه العقلي، وشقّ طريقه الخاص في فضاء العالم المزحوم.

فلا يجب علينا كعرب أن نتجاهل موروثنا الأدبي والعلمي، بل لا بد للعربيّ أن يؤمن بقدرته على اكتشاف ذاته، وبأنه ومهما تقادم عليه الزمن، يستطيع أن ينصب له بيتاً مستقلاً، ويزينه بأشجار الفكر ومزارع الإبداع.
تُرى.. أين الخلل؟ في تركيبة عقولنا؟ أم في تسلط الوهن المسكوب علينا قهراً؟!

إن كل الغزوات الفكرية التي مارسها - ولا يزالون - على العقل العربي، تستهدف تفاصيل دقيقة في سلوكنا، فهم -أي أصحاب المصلحة في بقاء التخلف العربي والإمعان فيه- يرسمون مخططات سوداء، يضخمون تفاهات الأمور، ويستولون على قلوب الجيل الذي أُضيعت هويته قسراً، فكم منهم بكى على فراق محبوب محبوبته "الغريبيَن"، وبعدها يقلبون أصابعهم على أزرار "الريموت"؛ ليستبدلوا دموع الحبيبة الغريبة بخصرِ غانية أكثر غرابة منها؟!
وكم أيضاً، أطلنا النظر في أشخاص، خُيّل لنا أنهم يملكون عصيّاً سحريةً لتحقيق حلم شاب، ما بكى يوماً على أوجاع حلب، وما قضى يومه وسنتهُ بعيداً عن كهرباء غزة المفقودة؟!


ما الحل؟

نحن أحفاد العظماء، وأبناء أمة "اقرأ"، ولا تظلم، أهل التفكير والتفكر في نعم الله التي لا تحصى.
علينا أن نقوم من قمقم الاستحالة والتسليم، لآفاق أعظم من أن نسلمها لمجهولي الاتجاهات، وباثّي السموم في عسل تفاهات الواقع، وأهواء البشر.

أعطانا ربنا - جلّ وعلا- كل ما يلزمنا لنعيش في هذه الأرض التي قد استخلفنا الله فيها راغدين، فلنستثمر قدراتنا الكامنة، ولنقذف العسل المسموم بعيداً؛ لنعيشَ كما أرادنا الله، عملاً وعلماً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.