المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسماعيل  الهدار Headshot

التفكير ملاذ الذات

تم النشر: تم التحديث:

إن التكامل والترابط بين التفكير والكتابة يكشف عن العلاقة الجدلية التي تجعل من التفكير دافعاً رئيسياً للكتابة، ومن الكتابة تجسيداً للمعطى النظري ألا وهو التفكير.

وضمن هذا السياق، فإن التفكير يكتسي أهمية كبرى؛ نظراً لتعدد وظائفه، فمنها التشاركية، ولعل أهمها الحمائية؛ حيث تتجلى هذه الأخيرة من خلال دورها الفعال في انتشال الذات المفكرة من غياهب وقيود الاغتراب بما هو مجال لتغيب ماهية الإنسان.

كما أنها تمثل الترياق الأنسب لتخليص الذات من بوتقة الاعتباطية واللامبالاة التي يغيب فيها معنى الحياة؛ ليتجلى لنا الإنسان الهمجي الذي يقتصر دوره فقط على إشباع غرائزه.

ألا يشكل هذا الإقرار تجسيداً لطابع الحيواني؟ هل يمكن لكائن مفكر بطبعه أن يتعايش مع ما هو عشوائي، غير عقلاني؟ ألا يمثل هذا انتهاكاً للفكر البشري؟ ألم يحِن الوقت بعد لإعمال ملكة التفكير؟ أليس من الضروري أن يكتشف الإنسان ماهيته والمعنى الحقيقي للحياة؟

وستتجذر هذه الدلالة الحمائية لحظة ارتباط التفكير بعنصر السعادة الذي كشف عن الراحة النفسية بما هو تعبير عن الذاتي، من خلال نفي مظاهر الاعتيادي واليومي التي تشكل بدورها مجالاً لبلورة دلالات القلق والخوف والانزعاج.

كما تجدر الإشارة إلى أن للتفكير دوراً تشاركياً لا يمكن إنكاره، فهو ذلك الوسيط الذي يعبر من خلاله الفرد عن مدى ارتباطه بمجتمعه؛ ليكون بذلك عنصراً فعالاً في بناء الصرح الاجتماعي؛ إذ إن التفكير يعبر عن لحظة التزام الذات بماهو اجتماعي كوني.

وضمن هذا التمشي، يتجلى لنا التفكير كتجسيد لما هو اجتماعي، من خلال نفي الأحكام المسبقة ومظاهر التعصب، بغية التأسيس لثقافة الاختلاف والتشارك بما هو تعزيز وترسيخ للفعل التواصلي.

وضمن هذا الإقرار، ألا يشكل الفكر الأداة الوحيدة والناجعة لنفي دلالات التعصب؟ فلمَ لا تتحلى المجتمعات العربية بفكر عقلاني، نقدي وبناء حتى تتمكن من التخلص من كل أشكال التعصب؟ أليس الإنسان كائناً مفكراً بطبعه؟ فلماذا هذا الغياب المجحف لحجة العقل والتفكير؟

وستتعمق دلالات التفكير لحظة ارتباطه بالمعطى الكوني، وذلك باعتباره العنصر الأساسي المبلور للقيم الإنسانية كالتسامح والتعاون والأخوة والتضامن في إطار منظومة إنسانية عالمية تفاعلية لا تعتد بالصراعات والحروب بما هو تدمير للبشرية، الأمر الذي يجعل من التفكير مجالاً فاعلاً لتكريس وتجسيد دلالات السلم والأمن، بما هو ضمان لاستقرار وديمومة المجتمعات الإنسانية.

كما أن هذا البعد الكوني كشف عن الدور المهم والإبداعي للتفكير من خلال السعي لإرساء استراتيجية فعالة لتدعيم الفعل التواصلي بين مختلف المجتمعات في كنف الاحترام المتبادل؛ إذ إن من الضروري إعمال ملكة التفكير والتأسيس لفكر موضوعي، عقلاني ومعقول، الغاية منه تعزيز التفاعل الإيجابي بين الأفراد بما هو العنصر الرئيسي المكوّن للصرح الإنساني.

وعليه.. فإن التفكير الإنساني هو ذلك المعطى الذي بدا مكرساً لوحدة منسجمة من الدلالات الذاتية والواقعية والكونية؛ ليكون بذلك العامل الرئيسي الذي يمثل تجسيداً واضحاً لتقدم المجتمعات وضمان استمراريتها من جهة، وملاذاً للذات وفعل خلاص لها من جهة أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.