المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام مسعد Headshot

صندوقراطيتكم فاشلة

تم النشر: تم التحديث:

أن تمارس الديمقراطية فهو أمر محمود، ولكن أن تحول هذه القيمة إلى مجرد صناديق تسعى إلى ملئها فهذا تحايل، وعندما لا تستطيع حتى فعل ذلك، فهذا هو الفشل بعينه.

فرق كبير بين ديمقراطية حقيقية يكون فيها الحكم للشعب عبر صناديق الانتخابات، وبين صندوقراطية يكون فيها الشعب وسيلة للنظام كي يحكمه.

ما شهدته مصر خلال الشهرين الماضيين لم تكن انتخابات ديمقراطية، وإنما صندوقراطية فاشلة، أراد منها نظام العسكر أن يجد لنفسه شرعية شعبية عبر صناديق انتخابية، إلا أن الفشل لاحقه عندما لم تستطع حتى ملئها بأوراق الاقتراع.

مصر تعرف الصندوقراطية منذ بداية حكم العسكر (أيوة عسكر.. لأن الجيش مكانه على الحدود ولكن من يحكم ويمسك زمام البلاد فهو عسكر)، منذ أن كانت نتائج الانتخابات في عهد جمال عبدالناصر، أول "رئيس عسكري منتخب"، 99.99%.

لم يتغير الحال إبان حكم مبارك ومن قبله السادات، وإن هبطت هذه النسبة أحياناً لظروف واعتبارات محلية ودولية.

وعقب الثورة.. وظن الشعب أنه تخلص من حكم العسكر، وتخلص معه من الصندوقراطية، ولكن بقى القائمون على السلطة حينها من مجلس العسكر، في بث سمومهم لإعادة هذه الصندوقراطية، ليقينهم أن الديمقراطية تجعلهم يعودون لثكناتهم (وساعتها هيبقوا جيش مش عسكر).

الديمقراطية أيها السادة لا تُدرّس، وإنما تُمارس، وما كان استفتاء 19 مارس/آذار 2011، وما تبعه من انتخابات لمجلسي الشعب والشورى، إلا "بروفة" حملت قدراً من الديمقراطية، زاد هذا القدر مع انتخابات الرئاسة التي انتخب فيها الشعب رئيس من الإخوان.

الإخوان، وإن كانوا جاءوا بالديمقراطية، إلا أنهم يسيرون على ما تعودوا عليه وكان أكثر ما كنا نسمعه منهم: "إحنا جينا بالصندوق".. نعم جئتم بالصندوق، ولكن بديمقراطية تحتم عليكم حكم الشعب بالشعب، وليست صندوقراطية تنفردون بها بالحكم، ولا تطلعون الشعب على ما يحاك ضده.

ورضي الشعب، ووجدها انفراجة وخطوة في طريق طويل سيتحسن عبر تكرار الانتخابات، حتى تتمكن الديمقراطية من حل محل الصندوقراطية، ولكن هيهات لهذا الحلم أن يكتمل، ووقع الانقلاب، لنعود ليس إلى نقطة الصفر، بل إلى ما هو دونه، بالسالب ولدركات كثيرة.

ليس هذا مقام لتقييم الانقلاب وأسبابه، وإنما يعنيني أن هذا الانقلاب الواقع ضد أول رئيس مدني منتخب، كان حجر العثرة الذي أعاد مصر مرة أخرى إلى الصندوقراطية، ولكنها هذه المرة فاشلة وبامتياز.

فشلت في استفتاء دستور يناير/كانون الثاني 2014، بعدما اعتقل كل من كان يقول لا، ويُوقف كل من كان يعترض عليه، ويُسجن كل من كان يدعو لمقاطعته.

وفي انتخابات الرئاسة، فحدث عن الصندوقراطية ولا حرج، فكان السيسي يخوض الانتخابات أمام نفسه، ونتيجة 97% عادت من جديد، ومُد التصويت ليوم ثالث، حتى نستطيع ملء الصناديق.

وتجسد الفشل كله في انتخابات البرلمان، فيدعو السيسي لقائمة موحدة، وكأنه استفتاء، حتى يترشح المؤيدون للسيسي ونظامه، أمام المؤيدين للسيسي ونظامه، فيجد الناخب نفسه أمام اختيار واحد هو انتخاب مؤيد السيسي، فيرفض الذهاب.

وتفشل كل محاولات النظام في حشده، ليس لأن رأيه مهم، ولا لكون رأيه يرجح كفة على أخرى، وإنما حتى تكتمل صورة الصندوق الممتلئ، وتكتمل العملية الصندوقراطية.

لا يهم النظام من يجلس على مقعد التشريع، مخبراً كان أم بلطجياً، فاسداً كان أم مرتشياً، أحد فلول الحزب الوطني كان أم مدعي ثورية، فجميعهم من أتباعه الذين يأتمرون بأمره.

نظام فاشل، لم يستطع أن يحشد الشعب بخطب رنانة كما عبدالناصر، ولا بالقوة والعصبية كما السادات، ولا بالمال كما مبارك، بل يحاول بالثلاثة ولا يستطيع.

أخيراً.. إن غداً لناظره لقريب، ومهما علت الصندوقراطية، فلابد أن تسقط، وحينها تعود الديمقراطية بالممارسة، فنحن شعب مؤهل للديمقراطية، ولكن إذا أتيحت لنا الفرصة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.