المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام أبو عون Headshot

انتفاضة القدس.. مواطن القوة والضعف

تم النشر: تم التحديث:

تأبى القضية الفلسطينية كعادتها الجمود على محور الزمن, وقد عادت لتصدر واجهة الأحداث من خلال ما بات يعرف إعلامياً بــ "انتفاضة القدس", وتعد هذه التسمية من باب المفهوم لا الاصطلاح حيث لا يزال الجدل محتدماً في التوصيف العلمي والاكاديمي للأحداث التي انطلقت مطلع الشهر الماضي, ولكن مع استمرار الأحداث ودخولها الشهر الثاني كان لزاماً إدراجها في جهود المناقشة والتحليل.

يحتاج إطلاق مصطلح الانتفاضة على الأحداث إجراء مقارنة بينها وبين الانتفاضات السابقة, وذلك لطبيعة الأشياء القائمة على الجمع بين الأشباه والنظائر, وقد شهد التاريخ الفلسطيني منذ عام 1929 عشرات الانتفاضات والثورات والحراكات المنادية بالحق الفلسطيني في الأرض والحياة مقابل الصلف الصهيوني والمصادرة والإلغاء وفي العقود الثلاثة الماضية كانت هناك انتفاضتان قام بهما الشعب الفلسطيني, وما زال الوضع الفلسطيني يراوح نفسه في مراحل الإنجاز إن لم يشهد تراجعاً في مكانة القضية والفعل الفلسطيني.

مثلت إجراءات الاحتلال ومستوطنيه اليومية دافعاً مهماً للوصول إلى الأحداث الأخيرة فالشعب الفلسطيني أمام احتلال إحلالي ديناميكي يغير إجراءاته يومياً من البيئة الجغرافية والديمغرافية للأراضي الفلسطينية, وأضف إلى ذلك انسداد الأفق السياسي للحل عبر المفاوضات السياسية في ظل وجود اليمين ويمين اليمين في تصدر المشهد الصهيوني حيث أصبح الحديث عن حل الدولتين وإنهاء الاحتلال جزءاً من الماضي.

وفي دراسة السياق العام الذي جاءت فيه الانتفاضة لا بد من إيراد مواطن القوة والضعف لهذا الحراك من أجل تشكيل تصور عام متعقل عن الأحداث ووضعها في السياق الطبيعي لها بعيداً عن التبخيس أو التضخيم.


أولا- مواطن القوة:


لانتفاضة القدس مواطن للقوة ميزتها عن الانتفاضات السابقة وأبرز هذه النقاط:
1. عدم وجود قيادة مركزية هرمية, وتتمثل قوة هذه النقطة في عدم مقدرة الاحتلال على ضرب القيادة ومركز التحكم بالأحداث, فهي تبحث عن شيء غير محدد المعالم.

2. اعتمادها على العمل الفردي, وهذه نقطة مهمة في هذا السياق حيث تصعب قدرة الاحتلال على توقع العمل , فلو كان العمل منظماً لاستطاع الاحتلال القيام بحملات احترازية لنشطاء الفصائل.

3. وجود الإعلام الاجتماعي: وقد ساعدت بشكل كبير في انطلاق هذه الانتفاضة واستمرارها وقد عدها الاحتلال من الأسباب المباشرة لهذه الانتفاضة ودورها لا يقتصر على التحريض بل يشمل بشكل موسع النقل الفوري للأحداث وتقريب الصورة وميزات هذه الوسائل من حيث التفاعل مع الخبر أدت للاستمرار ونشر انتهاكات الاحتلال لحظة بلحظة بالإضافة لتنسيق المشاركات والمسيرات.

4. وجود قطاع غزة كنموذج مساند, وهي ميزة لم تكن سابقاً وقد مثلت الملحمة الكبرى في قطاع غزة خلال الحروب الثلاث الأخيرة دافعاً ومشعلاً لعقدة نقص لدى سكان الضفة للارتقاء بوضع الضفة كما يمثل القطاع ضمانة للمنتفضين ستكون معهم في حال لجأ الاحتلال للفتك الشديد بهم.

5. الربيع العربي والثورات, وتبدو هذه النقطة بعيدة نوعاً ما ولكن تأثيرها يتضح في شكل الاحتجاج والتضامن والاستفادة من طرق الثوار العرب في استغلال الإعلام والتنسيق والاعتماد على أيام للاحتشاد والتصعيد.

6. وجود الفضائيات المقاومة.. حيث خصصت الفضائيات المتبنية لخط المقاومة التغطية الكاملة للأحداث مع التحريض على استمرار الحراك الشعبي وإذابة الفوارق الشعبية.


ثانياً- نقاط الضعف:


1. الانقسام السياسي: وتعد هذه النقطة من أكثر نقاط ضعف الحراك, حيث ألقى الانقسام ظلاله على كافة تفاصيل الأحداث فما بين التوجس من الطرف الآخر والخوف من مآلات الحراك في مستقبل السلطة ظلت حركة فتح بعيدة عن مجرى الأحداث والعمل بشكل هادئ لتهدئة الأمور.

2. العصا الأمنية الغليظة والتي تمنع كثيراً من الناس من الانضمام للأحداث وكذلك كشف الخلايا وسحب السلاح من الفصائل أدى لتجريد الناس من وسائل الدفاع المشروع.

3. عدم وجود ظهير من قيادة السلطة للأحداث حيث يمكن توصيف موقف السلطة باللا موقف حيث هي لا تسميها انتفاضة ولا تغطيها وسائل إعلام السلطة ولكن لا تقوم أجهزة الأمن بقمعها.

4. غياب القيادات ذات الوزن الشعبي الواسع والتي مثلت مصادر قوة في الفترات السابقة وقد عمل الاحتلال على تصفية وجودهم في الشارع عبر الاغتيالات والاعتقالات المتكررة.

5. انشغال المحيط بالمشاكل الداخلية حيث خرجت عن الخارطة السياسية عدة دول مساندة تقليدية مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا وكان لها دور بارز في الدعم السياسي في الانتفاضة الثانية, وبالمقابل تحول الموقف المصري لموقف معاد في الحكم الجديد, مع انشغال المحور الإيراني بمشاكله في سوريا واليمن.

6. ضعف الجامعات مقارنة مع العهود السابقة ويعود ذلك لأثر الانقسام الثقيل والعصا الأمنية المتحكمة بالقرار في الجامعات وأثر قمع الطلبة على مدى سنوات والموضوع نسبي بالنسبة للجامعات حيث سجل حضور لافت لبيرزت وخضوري وحضور باهت لجامعة النجاح وغيرها.

7. ضعف التنسيق بين المناطق حيث ترى بعض المناطق أكثر انسجاماً مع الأحداث من المناطق الأخرى فمثلاً تركز الحراك في الجنوب بشكل عام مقابل هدوء مريب في محافظات شمال الضفة.

8. حالة توجس ولا مبالاة من شرائح كثيرة في المجتمع ومرد ذلك الآثار القاسية لانتفاضة الأقصى على العائلات وعلى التجارة والاقتصاد بالإضافة إلى آثار سياسة السلام الاقتصادي.

9. المتضررون منها: ويقف في هذه النقطة شرائح اجتماعية وبنيوية في الشارع الفلسطيني تساوقت مع الاحتلال تاريخياً ووظيفياً واقتصادياً وربطت نفسها به سلباً وايجاباً وإن كانت هذه الفئة موجودة منذ فترة طويلة ولكنها مكنت نفسها في ظل الانقسام الفلسطيني وترسخت العلاقات وزادت الشريحة التي تشملها.

مثلت انتفاضة القدس ضوءاً في نفق مظلم دخله الشعب الفلسطيني بسبب المسارات الخاطئة من قبل قيادته والأوضاع المحلية والعربية, وتساهم دراسة مواطن الضعف والقوة في تشخيص الحالة وتنميطها ولكن ذلك يبقى هامشاً نظرياً مقابل الفعل اليومي المؤسس لكل هذه التنظير والتوقعات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.