المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام أبو عون Headshot

تفريعة السويس في سياق المشهد المصري

تم النشر: تم التحديث:

في خضم تصفح الأخبار المصرية ووسائل الإعلام العاملة في أرض الكنانة لا يتبادر إلى ذهني إلّا المثل الفلسطيني الشائع "وعادت ريما إلى عادتها القديمة" وهي مقولة منتشرة تشير إلى عودة الأمور إلى سالف عصرها سلباً مع التراجع عن أي تطور في العادات والمسلكيات.

كالحلم سريعاً انقضت سنين ثورة يناير, ثم عادت عقارب الساعة إلى سالف عصرها, نجاح غير مسبوق للثورة المضادة ذبحت على أعتابه كل الأحلام والطموحات وتكسرت كلمة الناشطة المصرية نوارة نجم عقب تنحي مبارك مباشرة " مفيش ذل تاني مفيش خوف تاني " , لحظات من الرومانسية العابرة عاشتها الثورة الأهم في الربيع العربي, ظن الجميع أن ساعة التغيير حانت وقطار اللحوق بالمجتمعات المتطورة انطلق, وفي أتون تلك الاحتفالات والنقاشات والاختلافات بين رفقاء الميدان كان هناك من يخطط للشوط الثاني من المعركة .

نجحت الثورة المضادة بالدخول إلى الحالة المصرية بسهولة وكادت أن تنتصر عليها في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية لولا بعض الوعي المفاجئ, ثم عادت وحازت السلطة بعدها بعام, استخدمت خلالها كل وسائل التفريق والشيطنة والأدوات المؤسسية وحتى بعض الأدوات الثورية التي خاب أملها بعد أن فشلت في الحصول على ثقة الناخب المصري .

كوميديا سوداء تملأ الصورة عن الواقع المصري في مرحلة ما بعد انقلاب العسكر, فبعد ثورة الشباب والحرية والتنظيرات التي صاحبتها, يعود إلى الساحة المصرية مصطلحات وأفكار الأصل أن العصر تجاوزها, القائد الملهم ذو الهالة المقدسة الذي لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه, والحريات المتجاوز عنها لصالح الأمن المتفرض, والترسيخ لإنشاء نظام فاشي عسكري بطرق تقليدية شرب عليها الدهر وشبع . ثم الإفراج عن رئيس قامت عليه ثورة والحكم بالإعدام على رئيس أتت بها ثورة بتهم كانت إلى حد قريب نوع من أنواع السخرية والفكاهة وخفة الدم المصرية المعروفة , وسجون تضيق على من فيها من آلاف ممن قاموا بالثورة المغدورة .

في هذه الأيام تحتفل دولة مصر ما بعد الانقلاب بشكل هستيري بافتتاح تفريعة لقناة السويس والتفريعة عبارة عن قناة مائية على طول 36 كم عند إحدى نقاط القناة, دعوات للرؤساء والزعماء وللشعب المصري لدق الطبول والفرح بهذا المشروع. ويتساءل المنطق المذبوح على أعتاب القاهرة عن أهمية هذا المشروع؟ في هذا الوقت الحساس من التاريخ المصري, هل مصر بحاجة إلى هذا التفريعة؟ وماذا ستضيف للحالة الاقتصادية المتردية للغاية في الشارع المصري خصوصاً أن هذا المشروع على حساب الشعب المصري الخاص وبإسهاماته ؟

يقول خبراء الاقتصاد إن قناة السويس الأصلية تعمل بأقل من طاقتها حيث التجارة العالمية الراكدة والسفن العملاقة التي تسير في المحيطات دون الحاجة للمرور بالسويس حيث رأت مجلة بلومبيرغ الاقتصادية الأمريكية أن الأيرادات لن تزيد في القناة وحتى الحكومة المصرية قالت في تقريرها المالي عشية افتتاح التفريعة الجديدية أنها لا تتوقع أن تزيد الإيرادات عن 2% . وذلك إضافة تلك التفريعة لا يضيف شيئاً سوى اعباء تلك التفريعة وتوزيع أسهمها على المستثمرين, ولكن ربما يدور في خلد الحاكم وأستاذه المجّرب أن يؤمم تلك التفريعة فربما ينجح في جلب صورة مشابهة للزعيم الخالد تبرر كل تعسف وظلم , ولو تجاوزنا تلك الملاحظات ونظرنا بإيجابية لأهمية تلك القناة الجديدة كما يجب أنصار الرئيس المعجزة! , ما هذا الفعل الغير مسبوق من دولة بحجم مصر كي تحتفل بحفر 36 كم من الرمل وجلب المياه إليها؟ ماذا على الدول التي تنشئ مدناً وبنى تحتية ومشاريع عملاقة أن تفعل كي توازي المدرسة المصرية في الفعل السياسي! , ثم يأتي تساؤل للدكتور عبد المنعم سعيد الذي كتب سابقاً في هافنتغتون بوست مقالاً بعنوان " ما لا يراه الغرب في مصر" هل القيام بأي مشروع اقتصادي يغني عن سؤال الحرية والحقوق المدنية والسياسية؟ , وهل حال الوضع الاقتصادي الجيد دون القيام بثورات , فماذا حدث بليبيا ذات المشاريع العملاقة مثل النهر العظيم وغير ذلك؟ .

لا يمكن القول أن المشروع يعد عبثياً بالنسبة لقادة الانقلاب في مصر ولكن هناك اهدافاً يظنون أنهم سيحققونها من خلال هذا المشروع والآلة الاعلامية الضخمة المصاحبة, فالسيسي وإن نجح في تمرير انقلابه سياسياً وحصل على " شرعية" دستورية ولكنه يبقى يبحث عن شرعية انجاز تساعده على البقاء, وفي التجارب العالمية تكون المشاريع الكبرى من أهم طرق اكتساب تلك الشرعية, كما أنه يريد أن يوجه رسالة تمثل جديته في تطبيق مشاريع الاستثمار , ولكن بالتأكيد هذا التهويل والتضخيم الذي وصل بمسؤولين مصريين أن يتوقعوا أن تدّر عليهم القناة الجديدة ب100 مليار دولار سينقلب عكساً حينما يتحسس المصري البسيط أثر القناة على وضعه الاقتصادي, كما أنّ الاستقرار السياسي والأمني هو ما يبحث عنه المستثمر , خاصة وأن سيناء المضطربة لا تبعد كثيراً عن هذه النقطة وقد تتأثر القناة بالوضع الأمني لو تدهور في قادم الأيام.

لم نكن بحاجة إلى تلك التساؤلات لو كنا في إطار تطور طبيعي للثورة المصرية ولربما كان النقاش في تلك النقاط من فضول الكلام ولكن مع تغييب المعقول وقواعد المنطق بعد الانقضاض على الثورة بات ملحاً علينا العودة لمناقشة البديهيات . في العالم النظري واستقراء التجارب الثورية العالمية من المؤكد أن الثورة المصرية ستنتصر ثانية, خاصة مع الأداء الكلاسيكي للثورة المضادة وإعادة تشكل حالة تحمل في طياتها كل أسباب الثورة، فتغييب المنطق والعقل في السلوك لن يدوم كثيراً , ولكن يبقى السؤال هل لدى رفاق الثورة رؤية للتسريع بذلك ودفع كلفة اقل , أم أن الأمور تسير وفق قانون التدافع الطبيعي إلى أن يكتب الله أمراً كان مفعولا ؟

وإلى ذلك الحين يبقى علينا أن نرقب المشهد ولسان حالنا " وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا"