المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام اسماعيل  Headshot

تاكسي ماليزيا

تم النشر: تم التحديث:

(1)

سيارة مغطاة بالغبار من الخارج، صور لبعض آلهة الهندوس على الزجاج الأمامي للسيارة، فرش قديم ولكن واضح الاعتناء به، صوت سائق في منتصف الخمسينيات يقول بإنجليزية بلكنة هندية: "مجموعة من الحمقى لا يريدون تشغيل العداد لكي ينالوا مبلغا باهظا مقابل نقل السياح العرب، ألا يعلمون أنه قد تم تصنيف سائقي الأجرة في كوالالمبور كأسوأ سائقي تاكسي بالعالم؟!" يواصل السائق سيره حتى الوصول إلى شارع مزدحم، ويسألني أنا وعمي عن جنسيتينا، يستشف من اسمي أننا مسلمان ثم يواصل: "لم يأتِ أي دين بالعنف، البشر وحدهم هم من صنعوا العنف، لا يوجد أي دين يدعو إلى القتل، الأديان كلها خير والبشر هم أساس كل الشر". يبدأ في الحديث عن نفسه في فخر، ماليزي من أصل هندي ولد في كوالالمبور ويعمل بها، ولم يزر الهند إلا مرة واحدة، ثم بدأ في استعراض مغامراته مع زبائنه من السياح كرجل خمسيني أصيل.

(٢)

التركيبة العرقية للسكان في ماليزيا ليست كغيرها من الدول، فأكثر من نصف السكان "58 % من الملايو" وهم السكان الأصليون، و27 % من الصينيين، و8 % هنود، ويوجد أيضًا أعراق أخرى كالأندونسيين، والتايلانديين وبعض الأوروبيين. هذا التنوع الكبير في الأعراق كان له أثر على الأديان المنتشرة داخل البلاد، فالإسلام الذي يعتنقه معظم الملايو يمثل 63 % من الماليزيين، تليه البوذية التي يعتنقها الصينيون، ثم الهندوسية التي يعتنقها الهنود، وبعدها بعض الديانات الأخرى الأقل انتشارا في البلاد. هذا المزيج الناجح بين الأديان والثقافات المختلفة في بلد واحد يأتي من جو عام ساعد على التوازن بين جميع الأديان، واحترام حرية العقيدة لكافة الأعراق والاتجاهات الدينية. على الرغم من وجود بعض الامتيازات للملايو على حساب الأجناس الأخرى في الملكية، فلا يستطيع من هم ليسوا من "الملايو" امتلاك أراض أو عقارات، إلا أنه في الجانب العقائدي من حق الجميع ممارسة طقوسهم الدينية وبناء دور العبادة بحُرية مطلقة دون الخوف من الحكومة "الإسلامية"، فستجد في أي مدرسة، جامعة، أو مكاتب حكومية كافة الأعراق والأجناس.

(٣)

واصل السائق الخمسيني سيره حتى وصل إلى شارع عمومي، وعلى جانبيه العديد من الفنادق الفاخرة والبنوك و المباني شاهقة الارتفاع، يضطر إلى الدخول في شارع جانبي لتخطي ذلك الزحام ثم يبدأ في السير يمينًا ويسارًا في شوارع مظلمة لم أستطع حتى تمييز المباني السكنية التي بها، يضيء مصباح سيارته حتى يرى الطريق من أمامه، يتأكد من وضعية المرآة الخارجية للسيارة قائلا: "رأيت منذ ثلاثة أعوام مبارك وهو يحاكم على سريره، لم أصدّق أن هذا من حكم مصر ثلاثين عاما تكون نهايته هكذا، هل توفي؟" أجبته بالنفي وحدثته عن بعض ما حدث في الأعوام الماضية في مصر، بعد ذلك حكى لي عن معاناته من عدم تمكن العرب من التحدث باللغة الإنجليزية، فهو يجد صعوبة في التفاهم معهم، فهم لا يريدون بذل أي جهد في التحدث بها، فالسائح العربي يعطيه العنوان الذي يريد الوصول إليه مكتوبًا. ويكمل حديثه بوصف نفسه بالمتابع الجيد للأحوال العربية خاصة في سوريا وليبيا، ويبدي تعاطفه معهم إنسانيًا لما وصلت إليه الأمور في بلادهم. يخرج من الشوارع المظلمة ويعود إلى شارع رئيسي محاط بمطاعم على الجانبين حتى يقف فجأة أمام أحد المساجد.

(٤)

تتكون ماليزيا بشكل أساسي من أربع عشرة ولاية لكل منهم السلطان الخاص بها، و يكون هذا المنصب بشكل وراثي حيث يظل سلطان الولاية في منصبه مدى الحياة، و نظام الحكم في البلاد نظام ملكي دستوري فيدرالي، حيث يتم اختيار الملك من خلال اجتماع، وتصويت سلاطين الولايات المختلفة، ويظل الملك على العرش لمدة خمس سنوات فقط ويتم تغييره بعد تلك المدة، والملك في ماليزيا يملك ولا يحكم "أقرب إلى نظام المملكة المتحدة في الحكم" حيث أن رئيس الوزراء الذي يفوز حزبه في الانتخابات يكون هو بيده أغلب السلطات التنفيذية، الجدير بالذكر أن لكل ولاية من الولايات حكومتها الخاصة بها ورئيس وزرائها من الحزب الفائز في الانتخابات. هذا النظام السياسي الفريد من نوعه في ماليزيا بالتأكيد كان له أثر كبير في كافة المجالات وبالأخص التعليم، حيث أن جزءÇð كبيراً من الماليزيين خاصة الشباب يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، فإن نظام الدراسة الجامعي المتطور في ماليزيا ساعد العديد من العرب في الدراسة بالجامعات الماليزية لما بها من إمكانات متطورة حيث تحولت إلى مركز للدراسة بالنسبة للعديد من الطلبة الآسيويين، حيث يصل عدد الجامعات إلى أكثر من ٥٣ جامعة حكومية وخاصة و٥٠٠ كلية خاصة، والتي تضم كافة التخصصات.

(٥)

هذا المسجد يحتفل هذا الشهر بمرور ٥٠ عاما على افتتاحه "هكذا تحدث إلينا السائق وهو يشير بيده إلى اللافتة المعلقة باللغتين الملايوية والإنجليزية". واصل السير و بدأ في الإشارة إلى بعض المتاجر لشراء الهدايا التذكارية للأهل والأصدقاء، يرشدنا إلى من هو أرخص ثمنًا، ويحاول أن يذكر لنا أسماء الشوارع التي نمر بها. وذكر لنا أن أحد هذه المتاجر قام بشراء بعض الهدايا لأقاربه في الهند منها وأن أسعار المحل معقولة إذا جادلت معهم في السعر، وبدأ يتحدث عن رحلته الوحيدة إلى الهند للقاء باقي أقاربه هناك الذين لم يرهم إلا مرة واحدة، معللًا ذلك بأنه لا تربطه بهم علاقة قوية.

(٦)

كانت تعددية الأديان والأعراق في ماليزيا سبباً في خلق نظام اجتماعي فريد من نوعه، فمن الممكن أن تضم العائلة الواحدة أكثر من ديانة بسبب دخول بعض الصينيين أو الهنود في الإسلام دون عائلاتهم، وهذا يعطي طابعًا أكثر خصوصية للعائلات هناك، ولكن القوانين أحيانًا تلعب دورًا في وضع بعض القيود الاجتماعية خاصة في أمور الزواج، حيث أن القانون الماليزي لا يسمح بزواج الرجل المسلم من أي ديانة أخرى ومن يقوم بذلك يصبح تحت طائلة القانون، ومن المتعارف عليه لدى قطاع واسع من الماليزيين هو عمل أصحاب العرق أو الدين الواحد مع بعضهم في أعمال القطاع الخاص حيث أغلب متاجر الصينيين أو الهنود لا يعمل بها إلا من هم من نفس العرق والدين.

(٧)

واصل السائق سيره حتى وصلنا إلى ميدان الحرية "أحد أشهر الميادين هناك" وكانت الاستعدادات على قدم و ساق والراقصون يتدربون قبل إحياء حفل عيد الاستقلال الذي من المفترض إقامته في اليوم التالي. وقفنا لالتقاط صور تذكارية للمشهد ثم واصلنا السير مرة أخرى حتى وصلنا إلى الفندق الواقع بوسط البلد. كان السائق حريصا على إعطاء رقم هاتفه لنا حتى نكلمه إذا كنا في حاجة للذهاب إلى مكان آخر، صعدت إلى غرفتي، وبدأت في محاولة مسح بعض ما يشغل مساحة على جوالي لالتقاط بعض الصور الأخرى لعيد الاستقلال غدًا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.