المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام هندي Headshot

لقاءُ الصدق في مدينة الخيال

تم النشر: تم التحديث:

في عالمٍ آخر وفي حياةٍ أُخرى في غير هذا العالم الذي نعيش فيه وفي غير تلك الحياة التي فقدت معناها، لكل واحدٍ منا عالمه الآخر الخاص به وحده لا يطلع إليه أحداً قط، إنه العالم الذي نهرع إليه دائماً في أوقاتٍ شتى وبدون ترتيبٍ أو اتصال، إنه عالمُ الخيال.
من قال إن من يُحَدِث نفسهُ مجنون؟
فقد تكون ساعة التلاقي الحقيقية الوحيدة الصادقة والصافية والنقية هي ساعة التلاقي في تلك الحياة في مدينة الخيال.
لا داعي للتعجب فكم مرة جلست مع نفسك في تلكَ المدينة؛ لتتحدث في صمت مع صديق مقرب لا تستطيع رؤيته، أو مع حبيب قد عز بينك وبينه اللقاء، أو عزيز قد فارق الدنيا قبل أن تكتمل رحلتك معه، تسأله عن حاله وتشكي له عن أوجاعك التي أحلت بك بعد فراقكما، تَصْدُقه القول الذي ما استطعت يوماً أن تقوله حينما كان بجانبك، إنه لقاءٌ صادق ليس فيه تزييف ولا تجميلٌ للمظهر أو ترتيب للكلمات أو موعد مُسبقٌ بكثيرٍ من الوعود التي في الغالب ما تكون زائفة.

يمنحك هذا اللقاء خروجاً من عالمٍ مؤلم بكل ما فيه من ألوان الغربة والوحدة والحقد والأنانية والتزييف والخيانة؛ لتذهبَ إلى عالمٍ تلقى فيه الزهور متناثرة على جانبي الطريق والعطور تملأ ذاك الهواء النقي الذي تستنشقه والأشجار تتدلى منها تلك الزهور البنفسجية والأوراق الخضراء التي تبعثُ بالبهجة.
تود أن تبقى هناك دائماً وسط الزهور والعطور، وسط العصافير التي تُغردُ في صفاء غير مسبوق، وسط كلماتٍ صادقه قيلت بدون خوفٍ وبدون تزييفٍ أو كذب قيلت بدون مؤثرات خارجية، هي لحظات قليلة مع النفس، ولكن ما أجملها تلك اللحظات الصادقة، فقد تحكي تلك اللحظات عن عُمرٍ بأكمله هي لحظات مليئهة بالحب.

ها أنا أتذكر قول الكاتبة الرائعة أحلام مستغانمي حينما غردت في سماء الحب قائلة: "إن لحظة حب تبرر عمراً كاملاً من الانتظار"؛ لتحكي بكل ما فيك من دفء المشاعر الصادقة التي قد تكون مصحوبة بلهفة واشتياق ودموع ترى بها بريق تلك العيون، فالبكاء يُكسبُ العيون جمالاً ولمعاناً وبريقاً، فجميلٌ ما غردت به الكاتبة صوفيا لورين عن البكاء حينما قالت:"إن لم تبك فلا يمكن أن تكون عيناك جميلتين"، قد يكون اللقاء في صمت وقد يكون بكلام لا يفهمه غيرك، وقد يكون بدموع يصحبها كلام أو صمت، لكنه في الأخير يُعبر عما بداخلك، فهناك لا أحد يمنعك من الكلام أو يجبرك على قول غيره، لا أحد يجبرك على البكاء أو الضحك، أنت وحدك من تحدد ما تريده، تلتقي بمن تُحب وقتما تُحب في المكان الذي تُحب، فالأماكن أيضاً تحكي عن تلك الحياة فكلما تذكرنا الأماكن التي كنا نمرُ بها أو تلك التي كنا نعيش فيها أو ذلك المطعم الذي طالما جلسنا فيه معاً، أو ذاك البحر الذي وقفنا أمامه بالساعات نحسب عدد موجاته التي ارتطمت بالصخور التي على الشاطئ في سعادة وبهجة، أو تلك النجوم التي نعرف مكانها جيداً، وكنا نسمي بعضها بأسماء من نحب ودائماً ما ننتظر ظهورها، تلك الأماكن كلها تدعونا كلما تذكرناها أو مررنا بها أن نعود إلى لقاءٍ حتى وإن كان لقاء مع أنفسنا في تلك المدينة "مدينة الخيال"، هو ما سميته بلقاءِ الصدق في مدينة الخيال، لقاء ينتظرهُ الكثير ويهرعون إليه مسرعين للتخلي عن تلك الحياة البائسة ولو للحظات قصيرة، والوقوف مع النفس لتذهب إلى أي مكان وتلتقي وتحكي مع من تريد.

وفي نهاية الكلام قد أكون أنا أو أنت ممن لا يُفضلون الذهاب كثيراً إلى هذا العالم، عالم الخيال، فقد تكفي لحظات قليلهة في هذا العالم والعودة مجدداً لتغيير حقيقة عالمنا إلى ما نُحب قدر استطاعتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.