المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام هندي Headshot

حنين واشتياق

تم النشر: تم التحديث:

في البداية دعونا نعترف أن كل شيءٍ في حياتنا يمرُّ، ولا بد أن يترك فينا أثراً، غالباً لا نعود لكننا دوماً نتذكر ذاك الشيء بهذا الأثر، ربما فِراق، ربما وداع، ربما لقاء، ربما نجاح أو هزيمة، ربما وربما.

ينتابنا حنين إلى العودة، لكن العوائق قد نُصبت لتُعيق الطريق إلى تلك الأشياء، وعلى أي حال، فذلك الشعور له مواصفات كلمعة في العيون، خفقان القلوب، نستطيع أن نَصِفه بأنه حنين إلى تلك الأشياء، وبعضُ الحنين في أن تترك بعضَ الأماكن، لكنها لا تتركك، ما زالت تَشْغَلُ تفكيرك وشعورك بالحنين نحوها، تجذبُكَ نحوها، لكنك لا تعود، وتُحدثُ نفسك عنها، أليست بها شيء مني؟ أجَل بها الكثير مني تلك الأماكن، لقد تركت فيها أغلى الأشياء، فكفى أني تركتُ بها جزءاً ليس بالقليلِ من عمري، تركتُ بها ابتساماتٍ ودموع، تركتُ بها كلماتٍ صادقة ما زالت تترددُ في أُذني، تركتُ بها الكثير والكثير، وتَركتْ في نفسي تلك الأماكن سكوناً وحنيناً، ما زال يراودني ذاك الحنينُ في كل الأوقات، لكنها الحياة عهدناها هكذا ترحالٌ بعد ترحال، ولا يبقى معنا سوى ذاك الحنين، فما أجملهُ وما أقساه!

وبعضُ الحنين في صديقٍ أتيته لترتمي بأوجاعك على كتفيه كما تعودتما، فلم تجده بانتظارك، ولسان حالك يقول له في عتابٍ لم يُنطق بعد:
"والغريبُ يا صديقي أننا تعاهدنا على نفس الخُطى، وحين أتيتُك في الزحام لأرتمي بين كتفيك لأحكي لك بعض الذي أصابني لم أجدك، لم أجد يومها سوى كلماتٍ ترددت في أُذني وددتُ ساعتها لو كانت أوراقاً فمزقتها، كلمات تُخبرني عن العهد الذي كان بيننا، وعن الصداقة والوفاء، التي هَدَمْتَ جُدرانها، قبل أن أصل إليك يا صديقي، ألم تذكر يا صديقي أننا في يومٍ مضى قد تعاهدنا على السير معاً".

لعلك يا صديقي لو أتيت في أي وقتٍ آخر لكان اللقاءُ باهتاً ومنطفئاً، فمن لم يأتِ في العتمةِ يا صديقي لا يُجزئ مجيئهُ في النور.

وبعضُ الحنين حنينٌ إلى كلماتٍ صادقة كان قلبك يرتعش حينما تسمعها أو تقولها، والآن حينما يأخذك الحنين لتذكر تلك الكلمات، لكن قلبك لا يرتعش في هذه المرة، وإنما ينقبض منك شوقاً وحنيناً، وكأنه يُخبرك بأنه ثمة كلمات مرت في حياتك لا تُنسى، وإن حاولت الهروب منها زادت بقلبك تعلقاً وشجوناً.

حنينٌ أبداً لا يُنسى، حنينٌ إلى أولئك الذين رحلوا عن هذه الدنيا، وتركوا لنا ميراث حبٍ لا ينجلي بفراقهم، تركونا وما عدنا نحتملُ شيئاً بعدهم، فلقد كنا نتقاسم معهم كل شيء من أفراح وأحزان وأوجاع، تركونا وفي حلق كل واحدٍ كلمات لم تقُل بعد، كلمات تأخرنا عنها حتى فات أوانها، يحيطون بنا في كل مكان، لكنهم في الحقيقة لم يعودوا معنا، يذكرنا كل شيءٍ بهم، المشروبات التي كانوا يُحبونها، الكراسي التي أصبحت خالية بعدهم، مسبحةٌ وسجادة صلاة، ساعة قديمة كانت توقظهم عند الفجر، ما زالوا حقاً يسكنون أعماقنا، والحنين إليهم يراودنا في كل وقتٍ وحين، فقد رحلوا وما رحلوا.

ورغم هذه الأشياء التي نفقدها الواحدة تلو الأخرى يبقى بداخلنا ذاك الحنين، وكأننا نقول بصوت خافت لا نكاد نسمعه إلى أين رحلت هذه الأشياء؟ ولِم كل شيءٍ حولنا ينتهي؟ ولِم وعود البقاء دائماً ما تكون كاذبة؟ ولِم حينما رَحلت عنا هذه الأشياء تركت بداخلنا ذاك الحنين؟

ويبقى الحنينُ مُراً على أشياء لا تعودُ ثانيةً، لكنه شعورٌ يستحيل أن نفارقه، كما لم نفارق يوماً فنجان القهوة رُغمَ مرارتهِ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.