المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام هجرس Headshot

عزيز قلب ذلّ

تم النشر: تم التحديث:

"1"

أعدَّها لكي تسبقَ أصابعُها الطيباتُ -إلى رأسه- شعراتٍ بيضاءَ قليلةٍ، قفزت من الأربعين إلى رُبع قرنِهِ. قال لها: كنت أعلم أنني سألتقيك في زمان ما.

حين عوقب زميلُ الابتدائية ذاتَ صباحٍ مدرسي فبكتْ أخته واحتضنَتْه وبكيتُ معهما، كانت روحي تبحث عن شقيقة مثل زميلي الطيب الذي وجد شقيقته، ومن يومها لازمتُ صديقي لأتلمسَ مواطنَ البهاءِ في نفسه لكي يحظى بقلب الفتاة الأم وحنانها.

حين استُشهد شاب فلسطيني في مقتبل عمره وودعتْه خطيبته التي لم تكمل العشرين، كنت أقرأ في عيونها قبساً من نور خالق النور، وكنت أتساءل عن حظي المتأخر من الشهادة من أجل نظرة كتلك.

الميت يسمع خطى العابرين، فكيف بشهيدٍ كلُّه حياة! وكيف بصبيةٍ لهفتها تحيي الموتى بإذن الله!

حين كنت أتجول في الحرم المكي فأرى عجوزين يمارسان طقوس عشقهما في خشوع وجلال يُعلّم العفة والسمو، كنت أرى نفسي فيهما وأقول: يا سنواتي الثقيلة، كوني سبعين خريفاً من أجل ربيع واحد يأتيك في البقعة المباركة قبل الذهاب إلى الله بأيام.

لماذا حين التقيتك تذكرتُ كل هؤلاء؟! ولماذا قطعت إليك الطريق عبر قارتين وأوقفتْني بيادة عسكرية وقالت لي: لا تحلم! فالوصول إليها عبر مزاج الجنرال مهمة تشبه مهمة وردة تعبر من مركز الأرض إلى القمر عبر بركان ومحيط وغلاف جوي دون أن تبدي رغبة في تهتُّك أوراقها.

السلام على روحِكِ الطيبة حين فاحت بالعبير فأسكرَتْني، وحين ولدت ميتة فرشحَتها المشيئة لتكون من ولدان الجنة.

"1"

في البلادِ التي تولد فيها الثورة ويولد فيها الانقلاب أخاً وأخاه السيئ، يولد الحب والفاجعة، ويلتقي فتىً شطر روحه لينشطر من جديد/ لينشطر إلى الأبد. كان على الثورة ألا تُمنّي البائسين بالحرية؛ فقد تمرغوا في تراب السجن الكبير حتى ألفهم وألفوه، وكان على العطاش إلى رشفات الرحمة ألا يذهبوا بأرجلهم إلى النهر؛ فهو مؤمّمٌ لمن يملك السلاح ويأمر الجند.

ستقول الصبية الثكلى لحبيبها: تزوّج؛ فالنار التي طالما انتظرت نبعي ستطفئها شربة من يدي أو ممن سواي، وستقول الرجولة المطعونة في قلبه: حافظي على هذا الطهر ألا يتدنس، وأكثري من القراءة والمذاكرة، واصنعي من المال ما يحميك من أشباه الرجال من بعدي.. ما يحميك من أب يذبح ابنته من حيث أراد أن يصونَها.. ومن أخ يبحث عن حب ويَحرم منه أخيَّتَهُ.. ومن أخت حسود تظن أن الدنيا تتسع للغل والسعادة معاً.. ومن أمٍّ إمعة تظن أن الجنة التي تحت قدميها تصريح دائم بالظلم.

ستقول صبيةٌ تجري نحو الثلاثين: سنواتك خلف الأسوار -يا حبيبي- تجاعيد في القلب قبل الوجه، وسياط من الصديقات والأهل تجلدُني كلّ صباح ومساء.

وسيقول السجين الذي ملأ الدنيا حرية: خلف الليل صباح، ثم يبكي ويقول لنفسه: توقف عن الكذب، سيسعى إلى المهجر من اغتربت قلوبهم في الأوطان، وسيلعنون اليوم الذي اكتشفوا فيه أنهم بشر ذوو أفئدة مثنى وثلاث ورباع! سيعظُهم بالآخرة شيخ ذو لحية بلاستيكية وسيحذرهم من سب الدهر، وسيردون بلسان الحال بأن الأوطان الكافرة بالإنسان ليس لها أن تعظ من حملتْهم على الكفر!

"3"

وأنت ترثي عمر الشهيد الذي توقف ذات طلقة، وأعضاء المصاب التي تبعثرت ذات انتقام، وسنوات السجين التي بُترت ذات أغلال، وأنت تبتئس مع الأم الثكلى والطفلة اليتيمة والأسرة التي انقلبت أحوالها من اليسر إلى الضيق.

التفتْ إلى عزيز قلب ذُلّ، لا تسمّهِ بطلاً فهو ليس بشهيد ولا جريح ولا سجين، ولا تردد ذكره في الأناشيد الحماسية أو أغاني النضال، فقط أشفق عليه واذكره بدمعة؛ فقد كان أقصى طموحه أن يجامل الوطن -حين يلمع الحب في جبينه- بالإشراق فجامَل الوطن قلبه بالإحراق، وهذه هي الحكاية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.