المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام الزيني  Headshot

لبنان كما لم تعرفها من قبل !!

تم النشر: تم التحديث:

- إنها السابعة صباحًا بتوقيت محل إقامتي.. يونيو 2014، أعددت حقيبتي جيدًا وارتديت ملابسي بعناية، حيث يصحبني صديقي إلى المطار. سأزور لبنان أخيرًا ولأول مرة في حياتي. سمعت كثيرًا عن هذا البلد وقد تبدو معلوماتي أغزر من بقية أصدقائي لطبيعة عملي بالإعلام ولكني ما زلت لا أملك التفاصيل الدقيقة والدهاليز حول حياة هذا الشعب، غالبًا ما يلهم العرب الثقافة والفن اللبناني وربما أناقة الشعب هناك أو "هونيك" كما يقولون، وآخرون ينفرون عند سماع اسمها لأنهم رسموا في مخيلتهم لبنان كصالة كبيرة، مليئة بالراقصات وبائعات الهوى، لا شيء آخر. اليوم سأستطيع أن أعرف المزيد حول تركيبة هذا البلد، ساعات قليلة حتى أكون قادرًا أن أعيش وسط هذا المجتمع.

***

- ليس غريبًا أن تكون هناك بعض الفوضى والجنود المدججين بالسلاح، فأنا لا أزال في بلد عربي مهما بلغ حجم توقعاتي مسبقًا. تقدمت خطوات بتمهل في مطار بيروت لختم جواز السفر استعدادًا للمغادرة وأنا أحاول أن أطلع على كل شيء لأحصل على الانطباع الأول. يجلس ضابط الجوازات بتسريحة أنيقة ويدندن بكلمات أغنية أمريكية (شعور عفوي بالتفاؤل.. يختلفون كثيرًا عن مصر!). جاء دوري.. يدقق في الجواز ويسأل بأسلوب متحفز:
- ماذا تعمل؟
- صحافي ومنتج تلفزيوني
- طقطق أصابعه جذبًا للانتباه: مرحبًا.. إعلامي! واحد من هؤلاء الذين يشعلون الكبريت؟
- أصبح من الواضح أنه يتحدث عن سوريا: لا يا عزيزي لا أعمل بالسياسة حاليًّا.
- سياسة أو لا، سوف تنتظر قليلًا.

نحو 5 دقائق إضافية عن أي شخص آخر انتظرتها، توجهت للخروج من المطار، ما زالت متفائلًا مع مزيج من الزهو والحماس ولكني أتعامل بحذر هنا، وصلت إلى منطقة تفتيش الحقائب. يسألني رجل الأمن برقة:
-من أين أتيت؟
- الخليج، كان لدي عمل صحفي.
- يا مرحب يا مرحب بالشيخ تفضل!

- خطر على بالي أنه يريد بقشيشًا: أهلا بك شكرًا لكن أنا لست شيخًا! (ابتسامة خاطفة).

ذهب إلى مسافر آخر! لم يطلب أو ينتظر بقشيشًا! لم أحاول أن أفكر كثيرًا، فأنا على بعد خطوات من أن أشمّ رائحة هواء بيروت، ذهبت مسرعًا، وجدت شخصًا ما يحمل لافتة باسمي حيث كنت مشاركًا بمؤتمر حول الإنترنت. بعد تحية سريعة، أنا في التاكسي الآن وفي طريقي للفندق، الهواء منعش والسائق يبدو بشوشًا، أشعلت سيجارة، أخذت أنفاسًا سريعًا وسألته:
-أنا أجيد اللبنانية ولست محترفًا، مجموعة من الكلمات ولكن إذا احتجت لشرح شيء بالمصرية.. ستفهمني؟

- بتقدر تحكي معي لبناني أو مصري أو إنجليزي أو فرنسي.. كيف ما بدك؟

رمقته بنظرة خاطفة.. إنجليزي وفرنسي؟ اممم جميل جميل!
-
ما بمزح والله، أنا خريج قانون وبحضر ماجستير وبدرس إيطالي.. أغلب اللي على التكاسي هيك!

- مازالت نظرات الذهول وأنا أتذكر أن آخر سائق تاكسي قابلته في بلد عربي كان لا يستطيع حساب الأجرة جيدًا لأننا انتقلنا إلى أكثر من مكان: رائع عزيزي، أرى صورًا لشخصيات سياسية ليست لبنانية بالشارع.. ما هذا؟

- لا تستغرب، هيك لبنان صارت، مش لشعبها، صارت ألهم، لكن لو رحت هيدي البلدان، ما راح تلاقي حدا بيرفع علم لبنان، احنا بس بنرفع أعلامهم!

- ترددت أن أخوض بالسياسة ولكن الفضول أكلني لأسأل عن المطار : عزيزي لم أفهم سر العاملين بالمطار، موقف ما جعلني أشعر بأنهم مع طرف معين.. وموقف آخر غير تفكيري.. ماذا يحدث؟

- المطار مقسم حبيبي نفس ما كل شيء بحياتنا مقسم، جزء لحزب الله وجزء للحريري، دول عم تدفع مصاري بالمليارات هون، إعلانات أجنبية في الشوارع، قنوات تلفزيونية بتنقل رسائل قوى إقليمية، هون كل شيء عم بيصير مش لبناني واحنا الضحية بس هي أقل فرصة راح تيجي وبنفل.. بدك شيء لبناني؟ بحكيلك.. انزال وكل كبة ومناقيش!
***

- رغم أنني لم أنم أكثر من 20 ساعة، ولكن شوقي لرؤية أصدقائي الذين تعرفت عليهم في دول أخرى ورؤية بيروت الجميلة جعلاني أنطلق مسرعًا بعد تأكيد حجز الفندق ووضع حقائبي بالغرفة، جاءت صديقتي مبكرًا رغم أن الأجواء ليست مثالية للقاء، لقد فصلت من عملها لأنها رفضت التوقيع على أوراق (تخليص معاملة) بها شبهة فساد، ومع هذا كانت الابتسامة مرتسمة على وجهها، قوية كما عرفتها.

- أنا آسف أعرف بأنها أوقات ليست عظيمة لك ولكن الظروف جعلتني أزور بيروت الآن.

- لا تقل هذا، أنا سعيدة جدًّا لرؤيتك، خسرت عملي ولكن كسبت كرامتي ومبادئي، اعتدنا على الفساد هنا.

- أنا أعرف ولكنك بالتأكيد لا تستطعين الحياة بدون راتبك، الأسعار ترتفع هنا.. عمومًا يمكن أن نذهب إلى مكان نتحدث، مقهى مثلًا؟

- لا لن أذهب إلى مقهى، أريد مكانًا به موسيقى.. أريد مكانًا به حياة، لن تشرب قهوة سادة في بيروت لأن صديقتك فقدت عملها.. هأ هأ هأ.

- نظرت لها باستغراب قليلًا وإعجاب أكثر وقلت باقتضاب: هل أنت متأكدة أنه مناسب لك الآن؟

- سأخبرك شيئًا مهمًّا، الناس يعتقدون أننا شعب تافه يعيش في المراقص، هذه ليست حقيقة ولكننا نحب الموسيقى لأننا نحب الحياة، مهما كانت الظروف بشعة، حتى لو خسرنا عملنا وبقينا في هذه البقعة الفاسدة سنبقى نضحك وبصوت مرتفع، ونثبت للعالم أننا أقوياء، نحن شعب ذكي وناجح، نتعب على أنفسنا كثيرًا، عندما نسافر بعيدًا نكون في المقدمة، ولكني لن أتركها وسأظل أغني.
***

- أستطيع أن أفهم أن دولاً مثل العراق وسوريا ومصر، يمكن أن تسقط في فخ الطائفية، نظرًا لتدني مستويات التعليم، ولكن دولة مثل لبنان مع نسبة تعليم مرتفعة وثقافة يستطيع أن يلمسها كل من يزور هذا البلد. سائقون يتحدثون لغات أجنبية، طلاب ماجستير يعملون في مهن لا تناسبهم، شعب ينجح في التجارة ومختلف المجالات عندما تتاح له الفرصة وأغنى أغنياء العالم نكتشف أن أصولهم لبنانية.. كبار الصحفيين وأساتذتي في الإعلام.. ماذا يحدث إذن؟ ما استطعت أن أتوصل إليه أن الطائفية عندما تغرس في الإنسان مبكرًا، بحيث لا يمكنه أن يسيطر عليها مهما ارتقى ثقافيًّا وتعليميًّا. لبنان هو المكان الذي يجمع المتناقضات، شعبًا صامدًا لم يضعف لحظة أمام معدلات غير مسبوقة من الفساد في البلاد، حكومة أقرت رسميًّا الرشوة بالمؤسسات، الآن يجب أن تدفع نقودًا لكي تنتهي من معاملتك مبكرًا، الرشاوى والمحسوبية في كل مكان، الطائفية تنهش في كيان الوطن، كل شيء يتحدث بطائفية، قوى إقليمية اختارت لهذا البلد أن يكون ساحة لصراعها الدنيء، عندما تقرر أن تعمل مع المجتمع اللبناني، ستجد أن الشباب هناك مذهل، إنهم يقضون نصف يومهم بين الفعاليات الأدبية والتعليمية، تشعر أنهم يطيرون لاقتناص الكبسولات المفيدة، في لبنان يجب أن تتطوع في منظمة لمرة واحدة على الأقل بحياتك، في لبنان الشباب أكثر انخراطا بالمجتمع المدني من بقية الدول العربية، عندما انطلقت مبادرتي لمكافحة الفساد بالشرق الأوسط، وبدأت البحث عن فريق عمل عربي، أكثر بلد وجدت شبابًا يريدون أن يكونوا مساهمين بصدق في هذه المهمة المعقدة، لم يطلبوا أموالًا، ولا سفرًا ولا مناصب ولا حتى الظهور في الصورة، كانوا وما زالوا يعملون في الخفاء، هم فقط مؤمنين ولديهم ما يكفي من الثقافة التي تجعلهم يعملون 24 ساعة من أجل أن يشعروا بمستقبل أفضل ويساعدوا مجتمعهم، في حين أن دولًا عربية أخرى تمتلك أضعاف سكان لبنان لم أجد سوى أرقام تعد على أصابع اليد وبشروط مسبقة.

حجم الطاقة الشبابية الإبداعية الموجودة في هذا البلد لا يمكن أن يتصورها أحد، إمكانيات وطاقة هائلة تجمع بين التعليم والثقافة والعمل المجتمعي، طاقة يمكن أن تجعل لبنان دولة متقدمة بصدق، دولة مثل أوروبا في نظامها وتقدمها. وهذه هي الحسرة أن أبناء هذا الوطن يهاجرون إلى بقاع أخرى من العالم، حيث ينجحون لأنهم يجدون الفرصة التي حرموا منها، يهربون من سياسيين يتنافسون على وطن يضيع، سياسيين بلا ضمير أو انتماء، يوجهون الرأي العام بحركة إصبع، يسيطرون على الإعلام وكل شيء، يغرسون الطائفية ليتمكنوا من الاستمرار، يزرعون الفساد في الوطن ليربحوا على حساب أبنائه، وعندما يسافر الشعب بعيدًا إلى المناطق المتحضرة من العالم نجدهم ناجحون ولكن هل سيتذكرون يومًا ما أنهم كانوا لبنانيين؟ هل سيرفعون رؤوسهم بأنهم لبنانيين؟ هل سيفخرون بالمكان الذي قتل أحلامهم وطموحاتهم سنوات وسنوات؟ إذن هي المعادلة التي يمكن أن نلمسها في كل أرض عربية (الفساد والطائفية) الأسلحة التي يمكن أن تدمر بها أي وطن، يجب إشغالهم بالطائفية لينسوا الفساد، فرقهم وشتتهم، ليس لديهم مسيحي مسلم، فليكن سني شيعي.. اجعلهم يكرهون بعضهم ويعادون أنفسهم وحينها لن يسألونك أو يحاسبوك على الفساد، ستكون لديهم معارك خاوية ينشغلون بها ولا تنتهي.
***

- لم أندهش عندما عرفت أن قناة المستقبل والمنار لم ينقلا مظاهرات اللبنانيين ضد الفساد، إذا نقلوا وحدة الشعب فكيف سيربحون؟ عندما شاهدت أصدقائي المسيحيين والسنة والشيعة والدروز في مكان واحد شعرت للوهلة الأولى أن شيئًا جديدًا قرر اللبنانيون أن يصنعوه ولكن ماذا يمكن أن يحدث؟ يجب أن نتعلم أن الهدف لا يكون أبدًا سطحيًّا.. إسقاط نظام.. إقالة وزير.. تنظيف الميدان والاحتفال! تجارب الجيران تثبت أنهم سيأتون بما هو أسوأ.. الحل أن نخرج من هذا الحشد العفوي البريء.. الذي جمع كل اللبنانيين صفًّا واحدًا وسبب آلامًا مبرحة لتجار الفتن.. نخرج برسالة تقول للسياسيين: لا تسحبوا القمامة الآن.. دعونا نلقي الطائفية أولًا، ثم نسحبها معكم إلى زوال.
***

- عندما سافرت للمرة الثانية إلى بيروت منذ أقل من 8 أشهر كان لدي 12 صديقًا وصديقة، وعندما سأسافر مجددًا بعد شهرين سيكون لدي 6 فقط مقيميين في لبنان.. هناك 6 انقسموا بين أوروبا وأمريكا ما بين عمل وهجرة ودراسة.. أو "فلوا" كما يقولون باللبنانية وهم يحققون نجاحات لم يسمح لهم وطنهم بفعلها.. ولكن السؤال الذي يدور في خاطري، بعد عام.. كم صديقًا سأجد في بيروت عندما أحن لزيارتها؟! أنقذوها الآن!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.