المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام الصغير Headshot

وتر الفشل و أنغام النجاح

تم النشر: تم التحديث:

لربما تكسو حروفي الليلة حُلَّةٌ من اليأس القنوع، و لربما وصف القنوع هو تبرير مني أنا لما أراه لا يصح أن يصدر ممن يدعو الناس للتفاؤل "أنا"، اليأس القنوع يا قارئي هو حالة من الرضا و عدمه حالة بين الإقبال و الإدبار حالة كاملة من الحب الجريح بطعنة فراق، إنه حالة الخوف و الرجاء

لا أروم أن أحدا في هذه الدنيا قد مر أو سيمر بهذه المحطة في درب الحياة، الكل سيمر قسرا و إجبارا، لأنه القدر و في فلسفتي أن الأقدار تكون قسرا أحيانا متشابهة أحداثها على كل العباد لتنقيهم تمحصهم و ترتبهم صفوفا عند بارئهم فتختبر صبرهم على أحلامهم و آمالهم و مدى رجائهم لها، ثمة نسق متشابه يتكرر في هذا الكون، دقق و معِّن سترى تشابها في أقدار الله على عبيده، لكنك ستتعجب من أن تفاعلهم و استجابتهم لها هي جد مختلفة، فهم متى ما وردوا هذه المحطة استسلم أصحاب الأهواء و أفلح صادقو الرجاء و الطلب، إنها محطة الفشل أو ما يسمى بالفشل!، حيث أن الفشل حالة وصفية مرتبطة بآمال الإنسان و همته فلربما كان فشلي نجاحا عظيما لآخر، فدعنا نقول أنها محطة ضياع الهدف !

لجامعة كارينجي بالولايات المتحدة الأمريكية تقليد عجيب و هو أنها تطلب من أساتذتها تقديم محاضرة بعنوان "المحاضرة الأخيرة" و فيها يحاضر الأستاذ محاضرة مودع حيث و كأنما الموت على باب القاعة سيسدل ستار الختام حيال الانتهاء من آخر كلمة في هذه المحاضرة، الأعجب من هذا هو حالة الدكتور راوندي باوش الذي ألقى محاضرته و كانت فعلا هي الأخيرة، حيث توفي بعد أشهر متأثرا بورم خبيث في كبده، تقدم الدكتور لإلقاء المحاضرة و هو يعلم أن أقصى تقدير متبقي لحياته هو ستة أشهر و فقا لتقدير الأطباء، يبدأ و هو في حالة عارمة من الرضا المُورث سعادة عبقرية على وجناته، و يبدأ معتذرا إذا كان قد خيب ظن أحدهم بأنه لم يظهر كئيبا حزينا الليلة، يزيد الأخير في إبداعه و يسجل للتاريخ كلماته التي تشع أملا لكل من ساورته غفلة الإحباط، قال و قوله حق: " إن الحواجز الصخرية لم توضع لتصدنا عن الطريق، و إنما لتختار من بيننا أولئك الصادقين في إكمال الطريق مهما حصل"، و من طلب الحسناء لم يغله المهرُ، لا جرم أن هكذا كلمات تخرج من جوفٍ شارف الموت، لهو حلي أن نتفكر بها و فيها و نحاول أن نحياها واقعا و سنة في حياتنا !

ليس سهلا على أصحاب الهمة أن يذوقوا مرارة الفشل، و لكن حكمة المولى و عدله اقتضت أنه قد خلق فيهم من الهمة ما يستطيعون به التغلب على وحشة التجربة، إن هذا الوجود مكيولٌ بميزان دقيق، لأنه صنع الذي أتقن كل شئ، و بالتالي كل ما نمر به هو لحكمة تقديرها في كلامنا "لعله خير" و تأويلها في قلوب العارفين "هو الأفضل" ، لاأريد أن أكون نرجسيا في طرحي فأوهمك قارئي بأنك حين تلج تلك المحطة فإنك لن تحزن، بلى و ألف لا، ستحزن و الحزن مشروع، و حزنك مطلوب و مبرر و لربما تسمعني أردد:

أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلد ... جلّ المصاب عن التعنيف و الفند

لكن تعرف قارئي؟! ، نحن في هذه الدنيا لا و لن نبصر الحقيقة، خُلقنا من حيث لا نحتسب و حين لم نكن ندرك، ثم كبرنا هوينا هوينا، تلقينا أفكارا ممن خالطنا و عرفنا، رفضنا بعضها و قبلنا الآخر بعقل الفيلسوف المستشرف جمال الحياة و تعقيدها في آن واحد، عرفنا و حاولنا أن نفهم، لكن فهمنا منقوص يا صديقي لا يدرك الحقيقة المطلقة، و سنعيش أيام الحياة كلها، نحاول الوصول للحقيقة التي لن نصل لها و لكن كان لزاما أن نيمم البغية نحوها، فبينما نحن على الدرب قاصدون الحقيقة، سنتراجع عن عادات و رثناها و نقبل أخرى رفضناها، سنقولب أخلاقنا بطابع العقل ربما لا العادة و التقليد، سنحاول أن نفهم ديننا ربما لأول مرة و يكأنما نسلم من جديد، سنرفض حينها و نتندر على أياما عشناها كانت فلسفتنا فيها " إنا وجدنا آبائنا على أمة" (الزخرف 23)

و عليه يا صديقي فإن الابتلاء هو أحد أوجه هذه الحقيقة المطلقة التي نحاول قصدها، ربما لن نحيط به علما و حكمة لكن يقين المؤمن أن اختيار الله لعبده خير من خيرته لنفسه، و أننا لو اطّلعنا على الغيب لاختارنا ما اختار الله لنا، بهذا يا صديقي عليك أن تعيش و به تحيا، امشي في الأرض و ملؤ رئتيك نسمات الاستبشار و الأمل بأن الغد أجمل و القادم أروع، و دائما تفكر كم و كم و كم من نعمٍ، الله عليك سابغها دون سؤال، و كم و كم من آلاء مررت بها في حياتك دون طلب، تفكر في عافيتك، صحتك، عينك التي تبصر جمال الخضار فتقول بتنهيدة ملؤها رضا: يا الله، تطيل بها صوتا و تدمع بها عينا، أذنك التي تسمع آهات مغنٍ في سحر ليلة على ضوء البدر فتشعر كأنما الدنيا قد حيزت في لحن دفّاق يسري للفؤاد متغلغلا كل خلاياك، يدك التي تكتب و رجلك التي تمشي، انظر حولك في أحوال أهل البلايا، تفكر في من عجز عن الحراك و تراه يسابق الناس للصلاة في الصف الأول، ابكي كثيرا بكاء العارف بالله المقبل عليه بعد غفلة، قل الحمد لله الذي أعطاني و فضلني على كثير ممن خلق تفضيلا !

لم نُخلق لنحزن يا صاح، و كذلك لم نُخلق لنورَث سعادة مطلقة، فنحن لازلنا في دنيا مجبولة على الأكدار، و لو كان أحد أحق بالراحة لكان أنبياء الله، لكنهم كانوا أكثر الخلق بلاءً في هذه الدنيا، و من قاربهم صلاحا قاربهم في درج الابتلاء و رفعة الدرجات، افرح كثيرا أن مصابك في دنيا و ليس دين، احمد المولى كثيرا أن قلبك لازال يرتشف الرضا ترياقا يبثه لكل جسدك أنى اللهم راض بما قسمت، مقبل غير مدبر، صابر محتسب، متفاؤل بأن الخير كله منك و إليك لا ملجأ منك إلا إليك، و الله عند ظن عبده به فليظن العبد ما شاء !، ثم متى ما رضيت قولا فلتقبل على العمل ، ثم لتسعى و لنسعى و لنصر على أحلامٍ بدأناها، و احذر أن يضيع هدف رسمته أنامل طفل في غابر السنين فإن ضاع الهدف ضاعت الهمة، و إن ضاعت الهمة أضحى أمرك فُرُطا، لا معنى لبكاء على ماض لن يأتي و لا حكمة من إهدار حاضر يسري فينا و بنا، ألا فلنبدأ بداية جديدة ، ألا إن البدايات تكون الأصعب في القرارات، لكنها دوما الأجمل في الذكريات، فعلى الله التوكل و منه السعادة !