المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام أبو حليمة Headshot

الإعلام وبناء السلطة في العقول

تم النشر: تم التحديث:

التغيرات التي طرأت علينا هذه الفترة تحمل بعدًا قيميًّا ومعرفيًّا يتلخص في الانتقال من الحداثة والعولمة إلى ما بعد هذه المفاهيم، فدعونا نقول إن العولمة أعادت تعريف حدود الأرض لممارسة السلطة بجميع أشكالها، والتي تعني في خلاصتها المنطقية أنه يتعين إرساء المجالات الاجتماعية من جديد باعتبارها علومًا قائمة علي الواقع، لما هو متجاوز للدول. هذا يجعلنا ننظر إلى مرحلة ما بعد المفاهيم برحابة ودون قيود.

في البداية لتفسير الكيفية التي تتكون بها السلطة في عقولنا من خلال عمليات الاتصال، نحتاج إلى تجاوز هوية المرسل وكيفية إنتاج الرسالة في عملية صناعة السلطة ونقلها وصياغتها في شبكات الاتصال، وينبغي علينا أيضًا أن نفهم الكيفية التي يجري بها المعالجة في شبكات العقل، ويمكن في النهاية أيضًا التعرف على آليات صنع سلطة من الربط بين شبكات الاتصال والمعنى في عالمنا وشبكات الاتصال والمعنى في عقولنا.

وما أقصده هو من البداية كيف يتم إحكام السلطة على العقل ومفاتيحها.. ماذا تعرف وما حجم ما تعرفه ومتى تعرفه ومتى تنساه؟

دعونا نفسر الآن آلية واحدة من آليات بناء السلطة في العقول وهي قيود المعرفة التى تحددها الأسئلة السابقة.

كيف يمكن أن تضع "تشريعات على المعرفة"؟
هذا النوع من الضوابط لا يتناسب مع كثير من الدول مع طبيعة وخصائص سرعة الزمن لديها؛ حيث في اعتقادي أن الزمن يختلف بنسبة التقدم والتطور التكنولوجي "فنستطيع أن نوصف تلك التشريعات في دول متقنة بالغبية.. أما في المجتمعات النامية فاقدة الزمن فهي تبقى قوانين ومواد في الدستور تقريبًا معطلة حتى مواثيق الشرف العالمية غير مجدية في تلك الدول التي تعاني في الأساس من تدهور منظومة القيم وكل ما يهدف له القائم بالاتصال هو تنفيذ ما يملى عليه من الإدارة السياسية، وعادة ما تكون تحت عنوان رئيس واحد مشترك وهو أحكام الضبط على المعرفة وتستخدم أجهزه الإعلام العديد من الطرق والأدوات للنجاح في هذه المهمة نحتاج لذكرها مساحة قد تكون في وقت لاحق.

محور شبكات الإعلام العالمية:
تتمركز شبكات الاتصال العالمية حول عدة وسائل، لعل أهمها شبكة الإنترنت، وهذا بسبب عدم قدرة أي طرف السيطرة عليها، فالسوشيل ميديا وتطور استخدامه وانتشاره هو تجسيد لإرادة الجماهير، أما المحور الأساسي في تكوين شبكات الإعلام الدولية في يد شركات مساهمة متعددة الجنسيات في رأسماليتها متقاربة التوجهات والمصالح، إلى جانب المحور الحكومي في بعض الدول التي بها اضطربات أو ما نسميه الذراع الإعلامي للسلطة، سواء المحلية منها أو الإقليمية والدولية ففي الواقع هي التي تحتاج الآن إلى مزيد من الاستقلالية كإحدى طرق تفريغ الشحن المجتمعي الذي تمارسة السلطة على لاعبين محليًّا ودوليًّا إذا كانت تسعى لما يسمى استقرارًا.

التلفزيون المتحول:
منذ تسعينيات القرن الماضي "وبمعزل عن الوسائل المقروءة والمطبوعة" تجاوزت الإذاعة والتلفزيون "النموذج الأول للاتصال الجماهيري" حدود حيز تخصيص نطاق بث من خلال تطوير صيغ جديدة من بث القمر الصناعي، وتحولت من نظام اتصال شديد المركزية وحيد الاتجاه قائم على عدد محدود من شبكات المحطات إلى نظام شديد التنوع وغير مركزي؛ حيث سمحت التكنولوجيا الرقمية بتكاثر عدد القنوات التي يمكن استقبالها، ورغم هذه الطفرة لم تغير كثيرًا من خاصية الوسيلة ذات الاتجاه الواحد، حيث فرض على هذا النظام الاتصالي تشريعات صارمة فرضت نمطًا في صنع الرسالة، سواء من الحكومات بالتشريع كما ذكرنا أو بالتمويل في الدول التي تعاني من تشابكية النظام الاقتصادي، أو الشركات الرأسمالية متعددة الجنسيات وإشكالية التمويل أيضًا، خصوصًا في البلدان التي تعاني مرحلة الانتقال وما بعد الانتقال، مثل الدول العربية، مما جعله أكثر إحكامًا وضبطًا، ولكن بسبب سبقه في النظام الاتصالي الرقمي في الوصول للجماهير أصبح عنصرًا اتصاليًّا جماهيريًّا أساسيًّا حتي ولو لم يتوافر في بعض وسائله المحلية والدولية خصائص متقدمة لمفهوم الاتصال الجماهيري. ولم ينازعه نظام رقمي إلا الشبكة العالمية للإنترنت، بل وفرضت واقعًا اتصاليًّا مغايرًا.

الإنترنت الملاذ للجماهير:
ومحاولة فرض ضوابط وتشريعات إعلامية للإنترنت
مجتمع الشبكات ذاك البناء الاجتماعي الذي يميز المجتمعات المعاصرة، وأجادل في أن عملية صياغة وممارسة علاقات السلطة تغيرت بشكل حاسم في السياق التكنولوجي والتنظيمي الجديد الناتج عن ظهور شبكات الاتصال العالمية، باعتبارها النظام الأساسي لمعالجة الرموز في عصرنا؛ حيث مكنت هذه الشبكات من ظهور ما أطلق عليه الإعلام الذاتي الجماهيري "سوشيال ميديا" مما عزز بشكل حاسم استقلال القائم بالاتصال في مواجهة منظومة الإعلام الدولية؛ حيث يصبح المستخدم مرسلًا ومتلقيًا.

الإنترنت شبكة عالمية غير تابعة لهيئة ولا يترك تنظيمها لأي جهة، وأدى انتشار الاتصالات اللاسلكية والإنترنت إلى عدم مركزية شبكات الاتصال؛ مما أتاح فرصة الدخول من نقاط متعددة إلى شبكة الشبكات، وهذا من الأمور التي عززت الاتصال الذاتي الجماهيري الذي من وجهة نظري هو أقوى تكوين اتصالي داخل منظومة الاتصال، فبالتالي يصعب تمركزها أو إنشاء وزارة عالمية للإنترنت حتى يستطيعوا أن يفرضوا عليها صيغة من الضبط والإحكام والمراقبة الشاملة.

لا يقيد الإنترنت إلا بما تفرضه كل حكومة في إطار سلطتها القانونية علي أراضيها، لكن مع عجزها عن الانفصال عن الإنترنت من الصعب التحكم في قدراته الشبكية. لأنه لا يمكن إعادة توجيهه دائمًا إلى عمود فقري ما، في مكان ما علي الأرض، صحيح يمكن منع الدخول إلى بعض المواقع، لكن لا يمكن حجب تريليونات من الرسائل الإلكترونية وملاين من المواقع المتجددة باستمرار، ورغم أن هناك نوعًا من أنواع المراقبة على الإنترنت، وفي الحقيقة تجري على قدم وساق من جانب كل حكومات العالم لكن أقصى ما يمكن تطبيقه بعض القوانين في محاكمة جناة سيئي الصحيفة الجنائية من مستخدمي هذه الشبكة "الهاكرز" ولكن هناك الملايين يستمتعون بالإبحار داخل الشبكة دون قيود. لا حل إلا مزيد من الحرية والخصوصية علي وسائل الاتصال الذاتي الجماهيري. مع وجود منظومة قيم اجتماعية تتوازن مع عولمة الشبكات الاتصالية لوضع ضوابط من وإلى المستخدم، بمعنى أن من يفرضها عليه هو منظومة القيم الخاصة به وبمجتمعه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.