المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام أبو البراء Headshot

التأسيس الأول للسيطرة الأميركية

تم النشر: تم التحديث:

البداية لم تكن عسكرية كما يغلب الظن، بل كانت اقتصادية تحمل طابع الاتفاقات والمهادنات، كانت أميركا كطفل مدلل بدأت شعلته في السطوع وبدا متلهفاً لفرض ما يراه مناسباً، وكان ذلك منطقياً بحكم النمو الاقتصادي الملحوظ في تلك الفترة، في ظل اشتعال نيران كانت الولايات المتحدة تجتمع مع القوى الكبرى في العالم في مدينة بريتون وودز الأميركية لعقد مفاوضات اقتصادية تفضي إلى تسيير التجارة الدولية بين الولايات المُتحدة وأوروبا انتهت تلك المفاوضات التي تحديد العملة الرسمية للنظام العالمي الجديد، وأن يرتبط الدولار بسعر صرف ثابت مع كافة العملات العالمية، وهو ما ظهر بعد ذلك في أزمة البترودولار التي كانت السبب الحقيقي لاحتلال العراق.

أما عن الجزء العسكري في القصة فبعد هزيمة ألمانيا وانتحار هتلر اجتمع زعماء الولايات المُتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي قرب العاصمة برلين في 17 يوليو/تموز 1945 فيما عُرف بمؤتمر بوتسدام، وكان من بين قرارات المؤتمر تدمير اليابان بشكل كامل في حال لم تتوقف معاركها ضد الحلفاء، وأنه على اليابان أن تعُلن استسلامها بدون شروط، كان ذلك في الوقت الذي علم فيه الرئيس الأميركي هاري ترومان بنجاح اختبار أول قنبلة نووية.

رفضت اليابان شروط المؤتمر ورفضت الاستسلام دون شروط، فكان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لتنفيذ واحدة من أبشع جرائم الحرب في التاريخ، في السادس من أغسطس/آب 1945 وبأمر من الرئيس هاري ترومان تم إطلاق القنبلة النووية الأولى على هيروشيما، والتي قتلت ما يقرب من 140 ألف شخص هناك، ثم تبعها إطلاق قنبلة الرجل البدين في 9 أغسطس/آب قتلت حوالي 80 ألف شخص والعديد من الإصابات بالحروق الإشعاعية والتسمم الإشعاعي وسرطان الدم وغيرها.

كانت تلك لحظة توقف فيها التاريخ وتوقف الزمن، كل الدول أعادت حساباتها مائة مرة حتى حلفاء أميركا أنفسهم، بإمكانك أن تقرأ رواية القطار الأخير من هيروشيما حتى تفهم كيف توقف الزمن في اليابان.

بالعودة إلى الشق الاقتصادي فالعالم استمتع بمزايا النهج الاقتصادي الجديد، لكن بريطانيا كانت تعاني من موجة سيئة من الاضطراب الاقتصادي، ففي شتاء 1947 كانت بريطانيا تعاني من نقص فادح في موارد الفحم بسبب سوء الأحوال الجوية، وتراكمت الثلوج إلى حد أعاقت وسائل النقل كلياً ما تسببت في إتلاف محصول الشتاء من القمح، وتبع هذا كله توقف مصانع عديدة عن العمل، وترك حوالي خمسة ملايين عامل بدون وظيفة، وزادت مشاكل التأمين الاجتماعي واضطرت الحكومة لتخفيض ساعات العمل، وأصبحت بريطانيا أعجز عن حل مشاكلها الداخلية.

في فبراير/شباط 1947 اتصل السكرتير الأول في السفارة البريطانية سيشل بالسيد لوي هندرسون، مساعد وزير الخارجية الأميركية لشئون الشرق الأدنى وإفريقيا، وطلب مقابلته لسبب هام وسلَّمه رسالتين، كان محتوى الرسالتين عزم بريطانيا على إنهاء وصايتها التي دامت ما لا يقل عن قرن من الزمان على بعض أجزاء العالم، وأن حكومة جلالة الملك تريد من أميركا سد هذا الفراغ بدلاً من أن تستغله روسيا (الاتحاد السوفييتي).. كأن العالم دائماً في حاجة إلى من يحكمه ويسيّر أموره.

هناك الكثير من القصص والوثائق، ومَن شهدوا التاريخ يعرفون أن الولايات المُتحدة كانت دائماً ما ترى أنه يجب أن ينُفذ سيناريو بعينه، سواء كان بشكل سلمي أو عسكري، لو أنك قرأت عن السبب الذي هاجمت بسببه أميركا فيتنام بقنابل النابالم فسوف تدرك القصة، لو أنك قرأت لعبة الأمم والإمبراطورية الأميركية ستدرك أن للقصة جذوراً وتاريخاً، وسيظل لها بقية حكتها نعومي كلاين، ربما يأتي وقت الحديث عنها.. التاريخ يسجله المنتصرون هذا ما عرفناه، لكن من قال إن المهزومين لا يملكون أوراقاً وأقلاماً وذاكرة حية ونفوساً غاضبة، وللحديث بقية، ما دامت فينا ذاكرة ويد تمسك بالورقة والقلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.