المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام أبو البراء Headshot

سيكولوجيديا "2".. كيف أقام الله روح زكريا؟

تم النشر: تم التحديث:

كانت البداية فى سورة مريم، ناداه الله بصفته عبداً لله وليس نبياً ذا شأن متميز عن بقية خلق الله "ذِكْر رحمة ربك عبده زكريا"، كثير ممن سمعت تفسيرهم لتلك الآية قالوا إن الله ذكره بصفته عبداً وليس نبياً؛ حتى يخبرنا الله بأن شرف العبودية لله أعظم من أي شيء آخر.

كان ذلك تفسيراً طيباً مبهجاً؛ أن يستشعر المرء مدى روعة وجلال أن يكون عبداً لله وحده باختياره الحر، بجانب أن ذلك سبيل إلى دخول الجنة، وقبل ذلك فهو الفعل الأكثر منطقية على الإطلاق؛ أن يعبد المرء الخالق الأعظم.

لكنني شعرت بأنه بجانب ذلك التفسير، ثمة رسالة أخرى أراد الله أن يرسلها لنا، يرسلها لعباده الضعفاء، قصة قد يكون من الصعب عليهم أن يتخذوها نموذجاً لو عرفوا أن صاحبها رجل عنده من صفات النبوة التي يسبغها الله على بعض عباده المختارين فيصيروا أقوى من البشر العاديين، قوة في الصبر والمواجهة وغيرها من صفات النبوة، لقد أراد الله أن تكون الرسالة عن عبد متجرد من كل قوة استثنائية، وتلك هي نقطة الانطلاق.

لن نسير مع ترتيب الآيات، وإنما مع ترتيب الأحداث "وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لى من لدنك ولياً"، والولي هنا ليس كما فهم البعض أنه يريد أن يرزقه الله ابناً، فالعقل والمنطق يؤكدان أن ذلك غير ممكن، فكان طلب سيدنا زكريا -عليه السلام- أن يرزقه الله تابعاً، تلميذاً نجيباً يتعلم منه العقيدة وكلام الله فتستمر الدعوة؛ ذلك لأن نبي الله يخشى أن تتوقف دعوته بموته، وأنه لا يثق بمن حوله من أهلٍ وأتباعٍ ويرى أنهم لن يهتموا لذلك.

"قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربي شقياً"، كان ذلك هو الدرس الذي تعلَّمه كل من آمن بالله بعد ذلك، تعلَّمه المسلمون أيضاً بصفتهم أصحاب آخر رسالة سماوية.. إنه التذلل في الدعاء أمام الله، إعلان الضعف والحاجة لله، ذلك الاحتياج البشري الذي يملأ قلوب الجميع، احتياج الشعور بأن عطاء الله لن يتوقف.

تعجبت عندما كنت صغيراً؛ حينما سمعت أحد أهل العلم يقول: "تعامل مع الله بأخلاق الأطفال، ابكِ وتضرعْ لله حتى يرزقك"، كان ما فعله سيدنا زكريا ميثاقاً يؤكد هذه القاعدة إذاً.

"إذ نادى ربه نداءً خفياً"، هذه واحدة من القيم التي يفتقدها من عاشوا فى أحضان الفيسبوك وتويتر؛ أن تدعو الله في خلوتك، أن تكون وحدك لا يراك أحد ولا يعلم أحد بما تدعو، ألا تكون دعوتك ورجاؤك من الله ببوست على الفيسبوك يحصد الإعجابات والتعليقات، وإنما يكونان مناجاة بين العبد وربه، كان ذلك أحد الدروس التي تعلمناها من قصة زكريا.

كان دعاء نبي الله صادقاً، في خلوة ومناجاة، لكن زكريا جعلها بمقياس البشر وسأل الله أن يرزقه تابعاً وليس ابناً؛ فزوجته التي لم تنجب في شبابها من المستحيل أن تفعل ذلك في شيخوختها.

"يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سَمِيّاً"، كانت تلك عطية الله لعبده المستجير بربه، معجزة النبي أن تنجب زوجته وهي في هذه السن غلاماً كرَّمه الله وجعله نبياً مثل أبيه، كان ذلك صدق زكريا -عليه السلام- في الدعاء ونيته الخالصة لله، وهبته معجزة أكبر مما طلب من الله، ابناً لن يحفظ الرسالة عن أبيه وحسب، إنما سيكون مكلفاً رسالة هو أيضاً.. سيكون نبياً.

"قال رب أنى يكون لي غُلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عِتيّاً"، كان الأمر صعب الاستيعاب حينئذ، نبي الله يراها بمقياس البشر ورب العباد يراها بمقياس فوق عقل البشر، "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سَوِيّاً"، ولأنه نبي الله فقد أراد أن يطمئن قلبه فطلب من الله أن يعطيه آية وقد كان.

ارتبط ذلك كله في نفسي بمقولة للشيخ الشعراوي -رحمه الله- حينما قال: "لا تعبدوه ليعطي وإنما اعبدوه ليرضى، فإذا رضي أدهشك بعطائه"، كان الشيخ صادقاً فيما قال، إنه ذلك الاحتياج لأن يكون المرء محاطاً بعناية الله وتوفيقه.

الدعاء.. ذلك السر الذي عرفه كل من أصاب قلبه الألمُ والضعف والوهن، تلك المناجاة التي لا يكون فيها سوى من يدعو مباشرة نحو ربه.. فلا مقام ولي صالح نتضرع به ولا شيخ يقولون إنه مستجاب الدعوة ولا غيره، أن تدعو الله وأن ينظر الله في قلبك فلا يجد شكاً في الاستجابة.

لسنا في مجال للتحدث عن أنواع استجابة الدعاء وكل ما يتبع ذلك، ولكنني بعدما تدبرت قليلاً في قصة نبي الله زكريا شعرت بأن الأمر لا يحتاج سوى دعاء صادق، دعاء بالخير لا الشر، دعاء لا يراه الناس من أجل الرياء وحب الظهور، وإنما هو دعاء الخلوة والمناجاة.. ذلك الذي يأتي في وقت يوشك فيه جدار الروح أن ينقضّ، كما أوشك جدار روح زكريا أن ينقضّ فأقامه الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.