المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إسلام أبو البراء Headshot

سيكولوجيديا "1"| آدم والتعري والحدود النفسية

تم النشر: تم التحديث:

كلنا نعرف القصة، باختلاف دياناتنا وعقائدنا نعرف قصة الذنب الأول، أول هزيمة أمام إبليس، هي لم تكن هزيمة بالمعنى الكامل للكلمة، لكن الأمر بديهي، آدم وزوجه كانا على الفطرة، وإبليس كان في داخله كرهاً ومكراً يكفي الجميع، لم يكن لدى آدم إذن سلاح قوي كفاية يقيه شر إبليس.

العقوبة الأولى كانت أول ما أراده إبليس، أن تنتكس فطرة آدم وحواء، وكان له ما أراد، فكشف عنهما ما كان يستر جسدهما، وظهرت لهما سوآتهما، تلك النتيجة الأولى للفعلة، هنا جاء دور السؤال الأول لماذا كان التعري تحديداً هو العقوبة؟ بعض أهل العلم أخبرونا عن طبيعة الغطاء الذي كان يستر جسد آدم وحواء، فأخبرونا أنه ذلك الغطاء الذي يغطي الظفر، لكنه حينما كُشف في تلك الحادثة انحصر في ظفر الإصبع فقط، بغض النظر عن تلك التفاصيل، لكن الصدمة التي أصابت فطرة آدم وحواء كانت قوية جداً، كان ذلك هو الدرس الأول، إنها "الحدود النفسية" تلك التي خلقنا الله بها، الاحتياج المغروس في نفس كل بشرى بأن تكون له حدوده المغلقة حوله فلا يقربها أحد غيره، وحده صاحب تلك الحدود بإمكانه فتح الباب لاستقبال من أراد، الخبرات الإنسانية، والإيمان العقائدي وضعا معياراً لقبول الذين يحاولون الاقتراب.

بعدما نزل آدم وحواء إلى الأرض وقد غفر الله لهما بعدما طلبا الغفران، أرسل الله جبريل لهما يعلمهما كيف يدبران شؤونهما ليستطيعا استكمال الحياة، فعلم حواء من أين تأتي بنبات تصنع منه الغزل، وعلمها كيف تصنع منه رداءً يستر الجسد، فصنعت لنفسها درعاً، وصنعت لآدم رداء يستر سوأته.

آدم وحواء زوجان خلقهما الله من بعضهما البعض، لكن رغم ذلك كان كل منهما له حدوده المغلقة حوله بصورة لا نعرفها نحن البشر، التطور البشري خلق ذلك الإطار الذي يستطيع داخله الزوجان أن ينزع كل منهما عن نفسه ذلك الإطار المُصمت في إطار شرعي.

استقر في ذهني في النهاية أن التعري ما هو إلا تخلّ عن حق كفله الله لعباده، فرضه عليهم لحمايتهم، حاولت كثيراً فهم السبب الذي يجعل من البعض يكره أن ترتدي المرأة ما يستر جسدها، أن تغطي شعر رأسها؛ لأنه من علامات جمالها، ولذلك فهي تحفظه ولا تجعله بضاعة سائغة للناظرين، ربما كنت من المتابعين مثلما تابعت أنا النداءات التي ملأت البر والساحل في فرنسا بمنع المحجبات من التواجد في الأماكن العامة وأماكن العمل، وأن يتم اعتبار الحجاب زياً عنصرياً!

ذلك هو السؤال الذي بحثت عن إجابته كثيراً، من يرفض ارتداء المرأة للحجاب، ويرى أن التعري حق بشري أصيل في الحقيقة، هو لا يطمح سوى أن يرى طوال الوقت ما يمتع به نظره طوال الوقت، ذلك الشيء الذي يحتاج أن ينظر إليه طوال الوقت حتى يشبع غروره وشهوته، التساوي المريب بين المرأة بوصفها بشراً وبين السلع الترفيهية، في الحقيقة هذه هي الصورة الحقيقية للاتجار بالبشر.

آراء كثيرة تدفع بفرضية أن التعري والحرية الجنسية في أوروبا وأميركا قد جعلت المجتمع أكثر تحضراً ينظر للمرأة نظرة مختلفة عن نظرة المجتمعات التي تعاني من الكبت، لكن الأرقام والإحصاءات تخبرنا بعكس ذلك، صدرت دراسة عن الاتحاد الأوروبي في عام 2014 تؤكد تعرض حوالي 9 ملايين امرأة أوروبية، أي ما يقرب من 33% من النساء الأوروبيات لانتهاكات جنسية بدرجات متفاوتة، الرقم صادم أليس كذلك؟!

دعنا نستقبل الصدمة الأكبر، أشار إحصاء "إنريكو بيسوجنو"، التابع للأمم المتحدة، إلى أن نسبة الإبلاغ عن جرائم الاغتصاب حالة واحدة من كل عشر حالات في جميع دول العالم، أي أننا نتحدث عن رقم أكبر من الرقم الصادر عن الاتحاد الأوروبي، في نفس العام نشرت مجلة التايم الأميركية تقريراً عن تعرض واحدة من كل خمس سيدات أميركيات لانتهاكات جنسية، 40% من هذه النسبة تعرضوا لعنف جسدي معظمهم أصغر من 25 عاماً، إذاً فكل ما يُتداول عن ملائكية الغرب واحترامه للمرأة مجرد خيالات انبهار لا أكثر.

الأمر بديهي لو أردت رأيي، كيف يمكن لامرأة تمتلك ما يثير فتنة الرجل بقوته وأفكاره أن تكون بمأمن من التعرض لاعتداء على حريتها الشخصية بشكل أو آخر فقط لأنها تخلت عن حدودها النفسية بمحض إرادتها الخاصة، فقط من أجل إشباع تلك الشهوة الإبليسية القديمة، لفت النظر والانتباه.

في بلاد الشرق القصة مختلفة بعض الشيء، فحتى النساء اللاتي يلتزمن برداء محتشم تتعرض للمضايقات بأشكالها المختلفة، ذلك التدهور الذي وصل إلى مرحلة خطيرة نراها في حوادث التحرش الجماعي وغيرها ترجع لعوامل كثيرة.

أولها جانب تربوي يخص الآباء والأمهات، فالعرب يفتقدون مفهوم التربية النفسية، أن يفهم الأبناء وهم في بدايات نضجهم أنهم سيكبرون وستصير لديهم شهوة وانجذاب نحو نوع آخر من البشر، وأن هناك حدوداً ومعايير وأخلاقيات يجب الالتزام بها، بدلاً من إخبارهم بالجانب المخيف من الأمر وحسب.

ثانيها جانب سياسي فدائرة الفقر التي تحيط الكثير من الشباب تكسر مع الوقت حدود الأخلاق عند البعض، وتفتح باباً لفجوة يدخل منها إبليس مقدماً تبريرات بسبب عدم القدرة على الزواج.

الاضطهاد السياسي أيضاً قد يكون سبباً في كثرة هذه النوعية من الأخلاقيات، حالة الرفض والغضب التي قد تجعل منها بعض النفوس سبباً كافياً للإقدام على ذلك.

الحدود النفسية حق بشري أصيل خلق الله معنا نحن البشر منذ أن بدأت البشرية، وسيظل كما هو حقاً أصيلاً، في ذلك الوقت الذي تخلى فيه أصحاب الحق عما كفله الله لهم، وجدوا أنفسهم عرضة للمتعطشين والجائعين وأصحاب النفوس المريضة، ومن كانت شهواتهم أقوى من أنفسهم.. أتخيل أبانا آدم يخبرنا عن فداحة ما يحدث، وأننا ندور في دائرة العبث والحماقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.