المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إشراق كمال عرفة Headshot

هيئة وصفات الطاغية في القرآن الكريم

تم النشر: تم التحديث:

تتكرر بعض القصص في القرآن الكريم؛ لخدمة أغراض خاصة، إذ في كل عرض تكون القصة ضمن سياق خاص، وهذا من إعجاز القرآن الكريم.

فعلى سبيل المثال، تكررت قصة خلق آدم في كل من سورة البقرة والأعراف والحجر، ولكن جاء ذكرها في سورة البقرة ضمن سياق استخلاف آدم عليه السلام، أما في الأعراف، فكانت حول الطرد من الجنة وعداوة إبليس لآدم وذريته، وفي سورة الحجر، تم ذكر القصة ضمن سر خلق آدم وأسرار الهدى والضلال.

وفي قصة سيدنا موسى -عليه السلام- مثال آخر؛ إذ ذكر القرآن عدة جوانب من القصة في أكثر من سورة، منها: البقرة، والأعراف، والمائدة، ويونس، والكهف.

ففي قصة المائدة، ذكرت جبن بني إسرائيل في دخول الأرض المقدسة، بحجة أن فيها قوم أشداء.

وفي سورة البقرة، نجد أن القصة قد ذكرت الكثير من تفاصيل قوم إسرائيل، مثل كفرهم المستمر رغم نعم الله الكثيرة عليهم، ثم شركهم بالله تعالى عندما واعد الله موسى عليه السلام.

أما سورة الشعراء، فقد أوردت قصة موسى -عليه السلام- مع فرعون، ومنها ظهرت الكثير من صفات فرعون كطاغية، والتي لم تقتصر فقط عليه، وإنما ذكرت السورة أيضاً صفات أخرى من قصص أقوام عاد وثمود وأصحاب الأيكة، وهذه الصفات هي التي سنحاول حصرها في هذا المقال، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها صفات ثابتة لكل طاغية في كل زمان ومكان، وهذا دليل آخر على إعجاز القرآن الكريم.

بداية.. الطاغية هو الجبّار العنيد، ومنهم من أفاد بأنه الأحمق الظالم المستكبر، أما الطغيان فهو مجاوزة القدر والغلوّ في الكفر، والإسراف في المعاصي، وكل من جاوز حدّه في العصيان يسمى طاغية.

أما صفاته وهيئته فهي كما يلي:

1. الضعف والعجز:
للحق قوة وهيبة تزعزع أكبر طاغية، وتتركه حائراً عاجزاً ضعيفاً، تماماً كما فعل فرعون في الرد على موسى، عندما سأله فك أسر بني إسرائيل وتحريرهم من استعبادهم له، فردّ عليه فرعون: "قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ"، فهدده بالسجن؛ لأنه لم يتمكّن من قهر الحق، فظنّ أن بسجه سيتمكّن من إسكاته.

ثم ظهر ذعره الذي حاول إخفاءه بتهمة الباطل التي ألقاها على موسى، عندما قدّم معجزته التي تمثلت بالثعبان واليد البيضاء، بقوله: "قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ".

وفي إظهار تواضعه لحاشيته ولين القول معهم بطلبهم للمشورة، ما يعكس عجزه أمام الحق؛ فكيف وهو فرعون الذي يدّعي أنه إله يطلب مشورة غيره؟! وذلك حين قال: "فَمَاذَا تَأْمُرُونَ".

2. إلهاء العامة لإشغالها عن رؤية الحق:
وذلك حينما دعا فرعون العامة لمشاهدة تحدي السحرة لسيدنا موسى: "فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ".
ومثل هذه المباريات من شأنها إشغال الجماهير عن الظلم والطغيان دون أن تفطن إلى اللهو والعبث الذي يقوم به الطغاة عليهم.

3. الاستعانة بجماعة مأجورة:
تماماً مثل السحرة التي جمعها فرعون: "فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ".

فهذه الجماعة لا تنتظر من الحاكم الطاغية سوى المكافأة والأجر، ولا يهمها أي مبدأ ولا تملك أية قضية، ومثل هؤلاء نجدهم في كل زمان ومكان.

4. التهويل في الافتراء:
يلجأ الطاغية إلى هذه الوسيلة لصرف نظر العامة عن حقيقته وكشفه لزيفه وظلمه، وهذا يحصل دوماً عندما يشعر الطاغية بتهديد سلطته.

فبعد أن أعلن السحرة إيمانهم بالله تعالى علناً وأمام الجماهير بعد أن رأوا معجزة سيدنا موسى، قال لهم فرعون: "قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ".

5. الإسراف في التعذيب:
وهو ناتج عن حماقة الطاغية الذي يظنّ أن بإسرافه في تعذيب أهل الحق من شأنه إسكاته، إضافة إلى ما يعكسه ذلك عن خوفه الشديد من فقدان سلطانه وهيبته، وهذا ما حصل تماماً بتهديد فرعون للسحرة بعد إيمانهم: "لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ".

6. التعبئة العامة لمحاربة أهل الحق:
يلجأ الطاغية إلى التعبئة العامة ليتمكّن من محاربة أهل الحق وسحقهم، فيقوم على الاستخفاف من أمرهم واستحقارهم ونشر الكراهية ضدهم ليظن العامة أنهم يستحقون الهلاك: "فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ"، ثم يبيّن أهمية القضاء على أية حركة تصدر منهم، سواء كان قولاً أو قلماً أو فكراً، وذلك خوفاً من أن تنتشر وتهدي العامة: "وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ".

7. التفاخر في البنيان:
وهو أمر يجيده الطاغية دون أي شيء آخر، فهو في ضلال يجعله يظن أنه مخلد باق، وهذا ما قاله هود لقومه: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ".

8. الأمل والاطمئنان في البقاء بالسلطة:
يظن الطاغية أن حاله لن تتغير، وأنه مخلد في السلطة وباق في الرخاء والنعيم. وهذا ما ظهر بقول سيدنا صالح: "أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ".

9. التهكّم من دعوة الحق:
انطلاقاً من ظنّ الطاغية أن حاله لن يتغيّر ولن يتمكّن أحد من سلب حكمه وملكه، نجده يتهكّم على دعاة الحق، ومنها مطالبتهم بالعذاب المُنذر: "فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ".

10. الفساد في الأرض:
وذلك من خلال احتكار النفوذ والسلطة لسلب أموال الناس وخيرات الأرض. وهذا ما ظهر بخطاب سيدنا شعيب لقومه: "وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ"؛ إذ كانوا يتحكمون بممر القوافل، فيشترون من الناس بضائعهم بثمن بخس، ثم يبيعونه بثمن غال، ولهذا عارضوا دين العدالة والمساواة، لما فيه من خطر يهدد سلطتهم الجائرة على الناس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.