المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إشراق كمال عرفة Headshot

رجل عائلة من الطراز الأول

تم النشر: تم التحديث:

لا يملك المرء نفسه من ألّا يُحبّ هذه الشخصية المتميزة، الذي كتب عن حياته الكثير من المؤرخين.

أعجبت بهذا الرجل في قراءتي لتاريخ حياته بكتاب فان برودي، وما يمثلّه من مبادئ راقية وأخلاقيات رفيعة المستوى، ليس فقط كرجل سياسة ورئيس دولة، وإنما أيضاً في كافة نواحي حياته، فقد كان رجلاً مثقفاً مهذباً لطيفاً في التعامل، وزوجاً محباً مخلصاً، وأباً حانياً رؤوفاً، وصديقاً صدوقاً، حتى إنّه كان ودوداً مع أعدائه، لا عدوانياً أو خائناً، فاستمر بالتعامل معهم بصداقة لا بخساسة، وكان يفضّل الرد دوماً على أقلامهم الخبيثة التي تطال شخصه في الصحف بالصمت، ولم يتّبع أبداً ذات الأسلوب في مهاجمتهم، أي بالكتابة ضدهم تحت أسماء مستعارة، وما ساعد في صقل شخصيته قراءته للكثير من الكتب، وفي مختلف المواضيع، من فلسفة، وتاريخ، وسياسة، ورياضيات، وعلوم، إضافة إلى سفره إلى فرنسا، عندما عمل فيها وزيراً؛ إذ زاد أفق تفكيره واتسع إدراكه بالثقافة وبالأخلاقيات الفرنسية الرفيعة.

ويتميّز توماس جيفرسون بالصبر والحِلم والتأني، وكان يهوى الاهتمام ببيته وبحديقته، ويحرص على تسجيل المصاريف في كتاب خاص سمّاه كتاب المزرعة "The Farm Book".

وكان يعامل عبيده بكل بلطف، وينتقد التصرفات المسيئة، وكان مضيافاً وكريماً في الحب والمال، وكان يحرص على أن ينال جميع زواره أفخم الطعام والشراب الفرنسي في منزله الشهير في مونتيسلو، الذي بناه ليكون من أجمل القطع الفنيّة في ولاية فيرجينيا الأميركية، ووصل كرمه حتى لزوج حفيدته آن ابنة مارثا.

وكابن، حرص جيفرسون على رعاية أمه وأخواته الخمس وأخيه الأصغر، واستمر بذلك حتى بعد بنائه لمنزله الخاص وزواجه، فقد حرص على ألا يكون بعيداً عن منزل والدته، ولم تظهر في كتاباته أي سوء عن والدته كمعظم باقي الرؤساء من بعده، فقد كان يحترمها، ويكنّ لها كل الحب والودّ، حتى إنه توقف عن نشاطه الثوري وأعماله في المؤتمر القاري لمدة ثلاثة أشهر بعد وفاتها.

وكزوج، فضّل جيفرسون منزله على العمل والسياسة، فكان أن استقال أكثر من مرة ليمرّض زوجته، التي كانت دوماً طريحة الفراش بسب الحمل المتتابع وإجهاضها المتكرر، إضافة إلى مواساتها في حزنها على وفاة أكثر من نصف أطفالها، فمثلاً، استقال من الكونغرس عام 1776 ليكون بجانب زوجته التي أجهضت، وغاب عن الثورة أربعة أشهر لمرضها في حينه، وعندما شرع في كتابة كتابه "ملاحظات عن ولاية فيرجينيا"، كان أن حملت زوجته للمرة السابعة، فقرّر أن يكتب في فترة النهار والبقاء معها طيلة فترة المساء، ورفض أن يكون وزيراً في فرنسا لحملها مرة أخرى، كما طلب الاستقالة من حكم فيرجينيا رغم سماح القانون له بولاية ثالثة، وذلك ليمرّض زوجته، ولو عاشت مطولاً لما أصبح يوماً رئيساً لأميركا.

وكان أن طلبت زوجته وهي على فراش الموت عدم الزواج من أخرى، وأعطاها الوعد، وكان عند كلمته، فلم يتزوّج من بعدها، وعندما توفيت في 6 سبتمبر/أيلول 1782 تعب نفسياً وانعزل عن العالم، وتجنّب حضور الحفلات، وكتب في مذكراته بعد أربعة أيام من وفاتها طريقة تحنيط عصفور صغير، في نوع من التعبير عن حزنه على وفاتها، ورغبته في تخليد ذكراها بطريقة غير مباشرة؛ لئلا تتأثر بناته اللواتي حرص على رعايتهن بنفسه حتى بعد زواجهن.

وكوالد، حرص جيفرسون على تربية بناته تربية صالحة، فمثلاً، أوصاهن بالاهتمام بالنظافة والمحافظة على هندامهن مرّتباً، وعدم التكلّم بسوء، كما طلب منهن الالتزام ببرنامج للقراءة من الصباح إلى المساء، واهتم بدراستهن.

وكان جيفرسون حريصاً على الاستمرار بالتواصل مع بناته في سفره لمتابعة شؤونهن ولإمدادهن بالنصيحة والمشورة. فمثلاً، عندما تزوجت ابنته مارثا، أرسل لها رسالة قال فيها إن عليها تسخير نفسها لإسعاد زوجها، الرجل الوحيد في حياتها، وأن يحظى بالأولوية حتى على نفسه، وأوصاها بأن تكون جيدة ومحترمة وصبورة ومعطاءة ليحبها الجميع.

وعندما استقال من وزارة الخارجية في أبريل/نيسان 1793، عرض عليه جورج واشنطن العودة إلى فرنسا، فرفض عبور الأطلسي مرة أخرى، وقضى 3 سنوات معتكفاً في منزله بمونتيسلو، من يناير/كانون الثاني 1794 حتى فبراير/فبراير 1797، ومن رسائله ظهر مدى سعادته في وجوده هناك وعدم رغبته في العودة إلى السياسة، وفي هذه الفترة استمتع بقراءة كتبه، واهتم بحديقته، واستظل بحب عبيده وأطفاله وأحفاده، فقد كان يطلب دوماً من ابنتيه مارثا وماري الإقامة لديه حتى بعد زواجهما.

وكان يحب أن يقضي إجازاته في مونتيسلو أثناء رئاسته للبلاد؛ إذ قضى فيها ما مجموعه 13 شهراً في فترة رئاسته الأولى.
وعندما أصيب زوج ابنته مارثا بمرض نفسي، عمل على رعايتها مع ولديها، ثم تركت له ابنها توم بعمر السنتين بعد أن أخذت آن ذات الأربعة أعوام.

وكان جيفرسون مسانداً دوماً لابنتيه في لحظاتهما الصعبة، فمثلاً، عندما انعزلت ابنته مارثا عن العالم بسبب حزنها على مرض زوجها، كتب لها رسالة لطيفة حاول فيها أن يثنيها عن ذلك بأسلوب رقيق حانٍ، وعندما فقدت ابنته ماريا طفلها لحظة ولادته، كتب لها رسالة كلها تعاطف ومواساة، حتى إنه لم يمانع من شرح ظروفه لهما التي أجبرته على الابتعاد عنهما، فمثلاً، بعث برسالة إلى ابنته ماريا التي لامته على غيابه، موضحاً فيها موقفه واعتذر إليها، وبيّن أن سبب اهتمامه بالسياسة رغبته في حكومة إصلاحية تحقق ما سخّر من أجلها حياته، فيستقيل حينها ليعيش معهم بسلام ورخاء وأمان وحرية، بذلك، تمكّن جيفرسون من حسن تربية ابنتيه. وشهد زائروه بذلك.

وكان جيفرسون سنداً حتى لأبنائه بالقانون (زوجي ابنتيه)، فقد أدخلهما الكونغرس، وساعد زوج مارثا في محنته عندما حاول الانتحار أكثر من مرة، وذلك برسائل لطيفة وجدانية.

كما كان جيفرسون كريماً مادياً، فقد عمل على تسديد ديون زوجته التي كانت وقتها أكثر من ثلاثة آلاف باوند، ولم يمانع من دفع المبلغ مرتيّن؛ لأن مكتب أراضي فيرجينيا في حينها رفض العملة البريطانية، فاضطر إلى الدفع بالعملة الأميركية، وعلى الرغم من أنّه كان مثقلاً بالديون، فإنه وافق على كفالة حفيده توماس راندولف بالتوقيع على قرض بمبلغ 20 ألف دولار أميركي، ورفض بيع عبيده للتخفيف من ديونه من أجل أن ترثهم ابنته مارثا لعلمه بوضع زوجها الاقتصادي السيئ.

في نهاية قراءتي لتاريخ توماس جيفرسون، أدركت أنه حان الوقت ليتساءل كل واحد منا عن طبيعة الموروث الذي يريد تركه في هذه الحياة، فقد نجح توماس جيفرسون في تحقيق الحرية والديمقراطية في أميركا، وبإبقائها متحدة، لذكائه وحلمه وحسن حكمه، فكان أن انتعشت وقادت العالم، وأضحى منزله في مونتيسلو من أبرز المناطق السياحية في ولاية فيرجينيا، فقد نجح في بناء "قِبلة الديمقراطية"، كما أحبت فان برودي أن تصفه في نهاية كتابها!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.