المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إشراق كمال عرفة Headshot

لا تكتئب!

تم النشر: تم التحديث:

أثبتت الدراسات على مدى عدة سنوات وجود علاقة بين الاكتئاب والخلل الدماغي، ولكنها لم تتمكن من تحديد المسبب بينهما للآخر، إلا أن أحدث الدراسات أثبتت أن الاكتئاب هو ما يسبب الضرر الفسيولوجي على الدماغ.

فقد نشرت مجلة Jama Surgery العلمية مؤخراً دراسة تعد الأولى من نوعها من حيث حجم العينة، وفيها قامت مجموعة من الباحثين العالميين في Enigma بمقارنة صور دماغية لـ9000 حالة، منها 1728 من مرضى الاكتئاب المزمن و7199 من الأصحاء، وظهر وجود تقلص في حجم (الحصين) في الدماغ، أو ما يسمى بـ(قرن أمون) المسؤول عن الذاكرة لدى مرضى الاكتئاب.

وفي توضيح ذلك، يقول البروفسور إيان هيكي، والمشترك في الدراسة، إن الحصين لا يتعلق فقط بالقدرة على الحفظ، وإنما في التحكم بالعواطف من خلال إدراك ماهية النفس ودورها في هذا العالم، وبالتالي فإن تقلص تلك المنطقة يؤثر على الذكريات، فتصبح أكثر سوداوية ويزداد تشاؤم المكتئب حول المستقبل.

فما هي سبل الوقاية من الاكتئاب؟

بداية يجب تعريف الاكتئاب وأسبابه؛ لنتمكن من معرفة طرق الوقاية منه، فبحسب الطبيب النفسي غاي وينش، ذي المؤلفات الكثيرة في مجال الصحة النفسية وعضو جمعية الصحة النفسية الأميركية، الاكتئاب ليس هو ذاته الحزن، فالحزن من المشاعر الطبيعية التي يسببها التعرّض لحدث مؤلم وصعب أو مخيب للآمال، أي أنه شعور نحو شيء ما.

فعندما نتأقلم مع ما حدث أو نتجاوزه، يختفي ذلك الشعور نتيجة لذلك، أما الاكتئاب فهو حالة عاطفية غير طبيعية، ويؤثر على التفكير والعواطف والسلوك والإدراك، ويسبب الشعور بالحزن نحو كل شيء وليس شيئاً محدداً فقط، كما أنه لا ينتج بالضرورة من التعرض لحدث مؤلم أو خسارة معينة أو تغير في الظروف، ولكن تبقى أحد أسبابه.

وإلى جانب ذلك، يعد الوجود في بيئة غير صحية من الأسباب الأخرى للاكتئاب، مثل الفقر والوحدة، كما في تعاطي المخدرات وشرب المسكرات ما يسبب الاكتئاب، فقد أظهر أحد التقارير إصابة أكثر من نصف مليون أسترالي بالاكتئاب والإدمان على المخدرات بنفس الوقت.

بهذه الأسباب، يمكن الوقوف على هذه الطرق لتجنب الإصابة بالاكتئاب:

أولاً: التسليم بالقضاء والقدر

قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأموال وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وأنا إليه رَاجِعُونَ (156) أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157)" (البقرة).
ويقول ويليام جيمس، أحد الفلاسفة الكبار في ذلك: "إنّ أولى خطوات تجاوز الواقع ومرارته هو التسليم به"، فالإيمان بالقضاء والقدر أولى خطوات تغيير نظرة الإنسان إلى الأمور من سلبية إلى إيجابيّة.

أما نورمان بييل، فقد أشار في كتابه "ستتمكن إن ظننت ذلك" إلى أن أهم تحدٍّ للإنسان في مواجهته للصعاب هو التأقلّم معها، ويضيف أن المكان الوحيد الخالي من المشكلات والصعاب هو المقبرة.

فسنّة الحياة وجود مختلف التحديّات لكي يتعلّم منها الإنسان ويكتسب منها مختلف المهارات والخبرات، وأذكر هنا مثالاً شخصيّاً حول ذلك:

كنت قد انتقلت للعيش خارج بلدي قبل عدة سنوات، ولم اعتد هدوء المكان الجديد وعزلته عن العالم، فشعرت بالألم لفراق أهلي، وبالملل من العزلة ومن عدم القدرة على ممارسة أية نشاطات خارجية، ورأيت نفسي عاجزة عن التأقلم في الغربة، إلا أنه بتحليلي للوضع الجديد الذي أنا فيه، رأيت أن الله يريد أن يمنحني شيئاً من هذا المكان، فأنا مؤمنة أن كل ما يحصل للإنسان هو بإرادة الله وفيه كل الخير، وبعد التسليم بأمره والتوقّف عن الاعتراض، بدأت تدريجيّاً باتخاذ هواية جديدة تناسب ظروف ذلك المكان، فبدأت بالقراءة والكتابة، وبحمد الله أتممت أول مشروع لي خلال السنة والنصف كان بالنسبة لي من الأحلام البعيدة، إلا أنه كان عند الله قريباً، وهو إصدار أول كتاب يحمل اسمي.

وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله، أو في ولده، ثم صبر على ذلك، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عزّ وجلّ".

ثانياً: التأمل والصلاة

أثبتت التجارب أن في التأمل والصلاة ما يساهم في زيادة سمك النسيج الدماغي، وتطوير وصلات عصبية جديدة، وهذا من شأنه تحسين صحة العقل ونظرة الإنسان لمختلف الأشياء من حوله، وقد بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- فضل الصلاة في السعادة بقوله الشريف: "وجعلت قرة عيني في الصلاة".

وفي تأمل خلق الله تعالى ما يحفز العقل على التفكير بإيجابية، قال تعالى: "أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ" (النمل: 60).

يقول سيد قطب، في تفسير هذه الآية، إن منظر الحدائق الغنّاء يحيي القلوب ويبثّ فيها السعادة والحيوية والنشاط، هذا وفي تدبّر إبداع الخالق في الزهر والشجر كفيل بتمجيده وشكره والامتنان لصنعه الذي لا يفوقه أي فنان أو عبقري. فيتخلص الذهن حينها من أية أفكار ووساوس، وتنطلق الروح منسجمة متناغمة مع جمال الكون وتشرق الروح والفكر بكل أمل.

وفي أجمل ما رُوي عن الإعجاز في تأمل خلق الله، ما ذكره نورمان ييل، حول صديق له أخبره الطبيب بأن نتائج فحوصاته تشير إلى مرضه الشديد، وأن لا أمل له بالبقاء على قيد الحياة لفترة طويلة.

فسأله إن كان هناك أي أمل في النجاة، فأجابه بأنّه طبيب يعالج المرضى والشفاء من الله، فخرج المريض في نزهة على الأقدام، وكان وقتها الجوّ ربيعياً جميلاً، وبدأ في تأمل منظر الأزهار والأوراق اليانعة على أغصان الأشجار من حوله، ويفكر في نفسه كيف لهذه الأزهار والأوراق دورة حياة تموت فيها وتحيا من جديد، وأنّ لا بد أن ينطبق ذلك على حالته، فينتهي مرضه ليعود إنساناً يتمتّع بصحة وعافية من جديد، فهو مخلوق من الله كتلك المخلوقات.

فامتلأ فكره وقلبه حينها بقدرة الله على شفائه وأخذ يدعو الله بأن ينقذه من مرضه، وعند مراجعته للطبيب بعد عدة أشهر، أخبره مندهشاً بأنّه تجاوز مرحلة الخطر، وأنّه الآن يتمتّع بصحة وعافية، وحينما أخبره بما فعل في ذلك اليوم الربيعي، أجابه الطبيب مبتسماً بأن تأمله وصلاته وراء شفائه.

ثالثاً: العمل

تتكرر وصايا الإسلام في العمل والحث عليه والترغيب على الكد والسعي لما فيه من خير للإنسان، فلا مكان للبطالة والكسل.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب المؤمن المحترف"، وفي النهي عن الكسل والخمول قوله: "إن الله تعالى يبغض العبد الصحيح الفارغ".

وكان قد وُصِف له عابد من العباد وأثنى الناس على حسن عبادته فسأل الرسول من يعوله؟ قالوا: كلّنا نَعُوله. فقال لهم: كلكم أعبد منه. وفي إحدى المناسبات، أفاد مؤلف كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" دايل كارنيغي بأن أسلوبه الوحيد الناجع في طرد المشاعر السلبية يكمن في قيامه بإصلاح متفرقات داخل بيته، إذ وجد أنّ في إشغال نفسه بالعمل من شأنه طرد القلق والتوتر الذي ينتابه من حين لآخر.

ومع العمل لا يكون هناك أي مجال لشرب المسكرات كالخمر والمخدرات، وهي التي حرّمها الإسلام بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجتنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة: 90)، فهي إلى جانب تسببها في الاكتئاب، فإنها تعمل على التسبب في ضرر دماغي والسرطان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.