المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إشراق كمال عرفة Headshot

كيف تتجنب الوقوع في الفخ؟

تم النشر: تم التحديث:

في صورة نشرتها شرطة أوهايو الأميركية أخيراً على صفحتها الخاصة في "الفيسبوك"، يظهر زوجان مغمى عليهما داخل سيارتهما نتيجة تعاطيهما لجرعة زائدة من المخدرات، وتم التقاط الصورة عندما أوقفت الشرطة السيارة لسيرها بشكل مريب على الطريق، ومع التحقيق مع السائق "الزوج" ادعى اصطحاب صديقته المغمى عليها إلى المستشفى، ثم ما لبث أن فقد الوعي هو أيضاً.

وكان المؤلم في الصورة وجود طفل بعمر الأربع سنوات، وهو جالس في الكرسي الخلفي للسيارة، وكان قد أثار نشر تلك الصورة انتقادات كثيرة من العامة لفظاعتها، فبررت الشرطة ذلك لتكون عبرة لمن يريد التعاطي، فيفكر مرتين قبل الوقوع في الفخ!

بهذه الصورة يظهر استمرار ضحايا المخدرات حول العالم حتى الآن على الرغم من التحذيرات وحملات التوعية حول مخاطره، ففي تقرير المخدرات العالمي لعام 2016 الصادر عن الأمم المتحدة، يظهر تعاطي 250 مليون شخص في العالم للمخدرات بكل أنواعها. وفي ما يتعلق بأعدادهم في الوطن العربي، هناك 9 ملايين في مصر مع 80% من الجرائم سببها المخدرات، أما لبنان فبلغ عددهم بحسب وزارة الصحة 24 ألفاً، وفي كل من الأردن والجزائر وتونس هناك نحو 300 ألفاً من المتعاطين في كل منها، أما منطقة الخليج العربي، فقد أظهر التقرير وجود 200 ألف في السعودية، و5100 في سلطنة عمان، وكان العدد الأكبر في الكويت بوصوله إلى 700 ألف من المتعاطين للمخدرات.

ولا تقتصر آثار المخدر على حالة الإغماء لهذين الزوجين، التي هددت حياتهما وحياة الطفل المرافق لهما في السيارة. فتأثير المخدرات يمتد بالمتعاطي للقيام بأفعال شاذة مقصودة، مثل جرائم السرقة والعنف والقتل خاسراً بذلك صحته ومدمراً لمستقبله ومستقبل أحبائه، فما الذي يدفع أحدهم إلى تعاطي المخدرات على الرغم من مخاطرها القاتلة؟

في كتابه "المخدرات والمجتمع"، أشار الدكتور مصطفى سويف إلى أن حب التجربة والفضول هو من أهم أسباب تعاطي الناشئة للمخدرات، وذلك بسبب الوجود في بيئة يسهل فيها الحصول على المخدر بكل أنواعه؛ إذ بينت إحدى الإحصائيات أن طلاب المدارس والجامعات هم أكثر فئة استهدافاً من قِبل تجار المخدرات، هذا إضافة إلى قلة الوازع الديني والرقابة العائلية، ومحاولة الهرب من المشاعر السلبية كالقلق والتوتر والاكتئاب.

فكيف إذن يتجنب أحدهم الوقوع في فخ الإدمان؟

هناك الكثير من الطرق لتحقيق ذلك، وبحسب المثل "الوقاية خير من قنطار علاج"، تكون الطريقة الأولى بالتوعية، ومن ثم علاج الحالات النفسية حتى لا تتطور لدى أحدهم وتدفعه إلى التعاطي، ثم تأتي أهمية التربية والعناية بالأطفال وتوجيههم لحمايتهم من التجربة والإدمان، وفيما يلي خطوات تفصيلية لكل منها:

أ. التوعية

أولاً - عقد محاضرات في مختلف المدارس والجامعات تعمل على زيادة الوعي حول المخدرات وكل ما يستجد فيها، فمثلاً يتطور تصنيع المخدر من مختلف المواد؛ ليأتي بشكل يسهل تصنيعه وتوزيعه مثل سجائر الجوكر التي انتشرت أخيراً وبشكل كبير في الأردن.

ثانياً - عقد المؤتمرات لحث العامة على التطوع والتعاون للحد من انتشار المخدرات.

ثالثاً - نشر مختلف المنشورات التعريفية ولوحات إعلانية تثقيفية في مختلف مؤسسات المجتمع الصحية، إضافة إلى بث الإعلانات في التلفاز والراديو لتصل رسالة التوعية لأكثر عدد ممكن من الأفراد وفي مختلف المناطق الجغرافية.

رابعاً - استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشر كل ما يستجد عن تصنيع المخدرات وأشكالها وإثرائها بالصوت والصورة.

ب. علاج الحالات النفسية

من أبرز الحالات النفسية التي تدفع بالشخص إلى التعاطي هي القلق والاكتئاب والتوتر، وذلك في محاولة للهرب من الواقع واستجداء النشوة والسعادة، وهنا يأتي دور الأهل والمجتمع في وقاية الأفراد من خلال مراقبة سلوكهم في البيت والمدرسة والعمل والجامعة، ومن ثم التدخل الفوري لعلاج المشكلات النفسية التي تظهر بوادرها عليهم، فمثلاً في كتاب "تربية البنات" لاختصاصية علم النفس جيزيلا بريشوف، أشارت إلى أن عوارض الاكتئاب تتمثل في تغير بسلوك الابنة كالعزلة وتغير النظام الغذائي واختلاف المزاج وهبوط في الهمة وانعدام الرغبة للقيام بأي نشاط، حينها يجب تدخل الأهل فوراً حال استمرار تلك الأعراض لأسبوعين متتالين، وذلك بمحاولة معرفة أسباب المشكلة التي تعاني منها، أو بعرضها على اختصاصي إن لم يتمكنوا من تغيير حالتها السلوكية.

أما في حالات القلق والتوتر، فيمكن للفرد اتباع عدة طرق للتخلص منها دون الوقوع في فخ المخدرات، وذلك بممارسة الأنشطة البدنية التي تسهم في تحسين الحالة المزاجية، التواصل مع الأصدقاء واستشارتهم حول مختلف المشكلات، تغيير العمل "إن أمكن" كان مثيراً للتوتر بشكل دائم، التأمل والصلاة، تجنب الأماكن التي تنتشر فيها المخدرات كالحفلات الخاصة والنوادي الليلية، وملازمة صحبة الأخيار لما فيها من دور كبير في الدعم النفسي والروحي، بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "مَثَلُ الجليس الصَّالِح والجَليس السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أو تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أو ثَوْبَكَ أو تَجِدُ مِنْهُ رِيحاً خَبِيثَةً". وأخيراً تلاوة القرآن لما فيه من شفاء للقلوب بقوله تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً" (الإسراء: 82).

ج. التربية والتوجيه

في كتابه "أيقظ قواك الخفية"، بين توني روبنز، مدرب الحياة الأميركي الأشهر طريقته في حماية أبنائه من الوقوع في شَرَك المخدرات، إذ قام باصطحابهم وهم أطفال إلى أماكن وجود المتعاطين، فكان أن نفروا منهم وأثار اشمئزازهم أحوالهم الصحية المتدنية وانعدام اهتمامهم بأنفسهم وبنظافتهم، فكان لذلك المنظر أثره في ردعهم عن محاولة تجربة المخدرات، ومن الممكن استغلال هذه الطريقة من قبل الأهل من خلال عرض صور المتعاطين لأبنائهم، التي تتوفر عبر الإنترنت، فالصورة تغني عن 1000 كلمة!

ولضمان حماية الأبناء الكاملة ووقايتهم من فخ التعاطي، يجب على الأهل الالتزام باتباع هذه الطرق أيضاً:

أولاً - رقابة السلوك العام للأبناء والتدخل الفوري عند وجود أي تغيير مفاجئ فيه كالعزلة الطويلة على سبيل المثال.

ثانياً - الحد من كمية مصروفهم اليومي للمدرسة، وذلك كون تجار المخدرات يستهدفون الطلبة الذين يظهرون امتلاكهم لسيولة مادية أعلى من المتوسط.

ثالثاً - تشجيعهم على الانخراط في الأنشطة الرياضية وتنمية مختلف مهاراتهم لما لها من دور في زيادة ثقتهم بأنفسهم وتحسين إدراكهم وإشغالهم بالأمور المفيدة بنفس الوقت.

رابعاً - عدم إرسالهم إلى الأماكن المشبوهة، كالحفلات المسائية والنوادي الليلية والتجمعات الشبابية وغيرها.

خامساً - حثهم على صحبة الأخيار والصالحين.

سادساً - التنبيه الدائم لهم من عدم تجربة أي حبوب أو سجائر أو مشروبات مقدمة من أي شخص، سواء كان ذلك من داخل المدرسة أو خارجها.

سابعاً - التوعية حول مخاطر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك بحثهم على عدم التواصل مع الغرباء ورفض الكشف عن المعلومات الشخصية، إضافة إلى عدم محاولة التقدم لأي وظيفة ذات شروط غير واضحة، كغموض في طبيعة العمل ومكانه، وذلك لئلا يقع أحدهم في فخ الاتجار بالمخدرات دون أن يعلم.

ثامناً - التواصل والحوار الدائم مع الأبناء لإتاحة الفرصة لهم للتعبير عما يحصل معهم ومن ثم توجيههم ونصحهم.

بالنهاية، يبقى على المجتمع فرض عقوبات رادعة لمن يعمل على بيع وتوزيع المخدرات، إضافة إلى تعاون الأفراد على الحد من انتشارها من خلال إبلاغ السلطات وبشكل فوري عن أي حالة يتم فيها رصد توزيع مواد مشبوهة وبيعها، سواء كان ذلك في المدرسة أو العمل أو الحي وغيرها من مختلف الأماكن.

وأخيراً، قيام السلطات بمراقبة أنشطة مواقع التواصل الاجتماعي واستغلالها لضبط الشبكات التي تعمل على المتاجرة بالمخدرات وتوزيعها، مثل عملية الضبط التي تمت أخيراً في السعودية لأحد كبار مروجي المخدرات، وذلك من خلال موقع "سناب شات"، الذي كان أن أنشأ فيه المروج حساباً لاستهداف الأطفال.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.