المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إشراق كمال عرفة Headshot

ما السبيل إلى السعادة؟

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى الدول الأوروبية، قام أحدهم بوضع لوحة كبيرة على قارعة الطريق يسأل الناس كتابة الأمور التي يندمون عليها في حياتهم، وذلك في مبادرة منهم لإسداء النصيحة للآخرين حتى لا يقعوا بذات الأخطاء، وكان المثير وجود شيء واحد مشترك بين كل ما كتبوه، ألا وهو الندم على (عدم فعل الأشياء) وليس فعلها! عاكساً بذلك ما قالته ممثلة هوليوود الأميركية الشهيرة (لوسيل بول) في أحد الأيام: "أفضل الندم على أشياء فعلتها على الندم على ما لم أفعله".

وكان من أكثر الأمور التي ندم عليها الناس لعدم فعلها هو الانشغال عن العائلة وعن تقدير العلاقات الاجتماعية، ظناً أن العمل وجمع الأموال هو السبيل الوحيد لتحقيق السعادة في حياتهم، ويعد ذلك أمراً شائعاً نظراً لأسلوب الحياة العصرية الذي يتطلب انشغال كلا الوالدين في العمل، مما يؤدي إلى إهمال البيت وتربية الأطفال وبناء مختلف الصداقات، ومسبباً ذلك الكثير من أنواع الإدمان، فنرى مثلاً انغماس الكثير من الأفراد في العمل كنوع من تعويض هذه العلاقات المفقودة، وهذا ما يشهده الغرب بشكل كبير تحت مصطلح (إدمان العمل) أو (Workaholic)، إلا أنهم يقعون فريسة لأمراض نفسية كالقلق والاكتئاب وربما الرغبة في الانتحار، لانعدام عنايتهم بالجانب الروحي والنفسي لهم، وعدم وجود من يسمعهم ويرشدهم ويخفف عنهم كالعائلة.


فما هو سبب السعادة التي تأتي من العائلة؟


بداية، العائلة هي نواة المجتمع، والبيئة التي يجد فيها الإنسان الدعم والحب والرعاية، ومن دونها لا يملك أي شيء، فعاطفة المودة التي تتشارك فيها أفراد العائلة غاية في الأهمية، فإن مرض أحدهم أو عانى من أي مشكلة، ستكون العائلة سنداً له، فلا شيء يعوّض عن العائلة من مال أو شهرة أو عمل، لأنها وحدها التي تؤمن الأمان الروحي وفيه يدرك الفرد وجود عين ترعاه وتسهر عليه، وفي وصف أهمية مشاعر المودة، يقول الشاعر أودن:

"Love each other or perish"، أي ستهلكون إن لم تتوادوا وتتراحموا فيما بينكم. كما أن الفطرة تتطلب وجود العائلة لحاجتها إلى الرفقة وإلى الشعور بالقبول والمحبة.

ونظر الإسلام إلى الأسرة كضرورة اجتماعية باعتبارها أساس الحياة القويمة بقوله جلّ وعلا: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" (النساء: 1)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإن من سنتي النكاح فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فالإسلام لم يشجع الحياة المنفردة كما في الرهبانية، وإنما حث على بناء الأسرة الفاضلة التي تتجاوب معها العاطفة.

فقد وصف الله تعالى البيت سكناً، لأنه مكان للطمأنينة والراحة، بقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم: 21)، كما ويعد إنجاب الأطفال الطريقة الوحيدة لإدراك معنى الحب الحقيقي والوئام ولا يعوض عنه حب أي شيء آخر، سواء كان أموالاً أو حتى عشيقاً. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تناكحوا تناسلوا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة).

ولم يقف الإسلام عند هذا الحد في الترغيب بتكوين الأسرة، إذ نهى عن الفجور من اختلاط غير مشروع للجنسين، ومن إباحة العلاقات بينهما، والتي تشمل النظرة والخلوة غير الشرعية والزنا حتى لا يكون للشباب مفر من الزواج، يقول الرسول: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، كما ذلل في سبيلها العقوبات وبيّن فضلها الكبير.

فقد روي عن قدوم رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يشكوه الفقر، فأشار عليه بالزواج فتزوّج، فرجع إليه يشكوه الفقر مرة أخرى، فأشار عليه بالزواج من أخرى، فتزوّج، ثم رجع إليه يشكوه الفقر، فأشار عليه بالزواج، فتزوّج الثالثة، إلى أن حاله لم تتغير، وسأل الرسول عن ذلك، فأشار عليه بالزواج من أخرى، فتزوّج الرابعة وكانت ماهرة في غزل النسيج، فعلّمت نسوته الأخريات الغزل وانفرجت ضائقة الرجل وصار من الأغنياء لامتلاكه مصنعاً للنسيج، كما بيّن الإسلام أن الخوف من الإنفاق ليس من الإيمان، والذي هو سبب عزوف الكثير من الشباب عن الزواج، لأن الله تعالى وعد كل الناس بالرزق بقوله جلّ وعلا: "لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى" (طه: 132).

وجعل الإسلام الإنفاق على العائلة نوعاً من أنواع الجهاد. ومن قواعده حب البيت وحسن رعايته. وفي الحفاظ على تماسك البيت والعائلة، بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصالح هو الذي يكون صالحاً مع أهل بيته أولاً قبل الناس، بقوله الكريم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، كما وصف الإسلام والبيت بأنه نعمة من نعم الله تعالى، وبيّن فضل ملازمته. فكان أن جاء معاذ رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أوصني يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ، أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، ولتبك على خطيئتك).

فما هي أولى الخطوات في تحقيق السعادة؟


لتبدأ أولى خطواتك نحو السعادة، عليك بإعادة ترتيب أولوياتك بحسب مبادئك وقيمك، ثم إدارة وقتك بحسب ذلك، ففي كتابه الأفضل مبيعاً حول العالم (العادات السبع لأكثر الناس كفاءة)، أشار ستيفن كوفي إلى أن الفشل في إدارة الوقت في العصر الحديث من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الكثير من الناس، مسبباً لهم الكثير من المشكلات على المستوى الاجتماعي وحتى المهني، فقد بين أن العلاقات الاجتماعية والصداقات من الأمور التي يتم إغفالها رغم أهميتها، وذلك لعدم ظهورها بالشكل العاجل الذي ينبغي إنجازه في اللحظة الحالية، مما يجعلهم ينشغلون عنها في أمور أخرى هي في الواقع أقل أهمية، مثل عدم مشاركة أحدهم اللعب مع أبنائه للانشغال عنهم بقراءة بريد العمل، أو اختياره البقاء في الوظيفة متأخراً على اصطحاب زوجته خارجاً إلى العشاء، فيندم عليها لاحقاً كغيره ممن شارك ذلك على تلك اللوحة!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.