المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

انجي سلامة  Headshot

دموع في الفيسبوك

تم النشر: تم التحديث:

عندما وصف جورج أرويل في روايته الشهيرة (1984) دور الأخ الأكبر قال عنه إنه هوالنقطة التي يتمركز فيها الحب
والخوف والاحترام والعواطف التي من السهل أن يشعر بها إنسان تجاه فرد. ثم يستطرد في عرض الهيكل التكويني للأخ الأكبر متمثلا في المنظومة الحاكمة التي توظف كل آليات الحكم في السيطرة على الرأي العام وإخضاعه فكريًّا وعاطفيًّا للنظام. فعلي مدار التاريخ تبارت الأنظمة السلطوية في استخدام الأسلحة الإعلامية من أجل التأثير في الشعوب عبر الشاشات الإلكترونية والصحف.

في مصر بات الإعلام جزءًا لا يتجزأ من المنظومة السلطوية ولكنه لم يخضع بالكامل لسطوة الأخ الاكبر إذ أوجد الرأي العام لنفسه بديلا في الإعلام الموازي و"الفيسبوك". وجل ما اعتمد عليه الإعلام المصري في التأثير على الرأي العام هو لغة الإثارة والعواطف.

وقد اعتاد الإعلام المصري المملوك للنظام أن يرسم صورة ذهنية للحاكم أنه كالأب المهموم بأبنائه حتى أن أحد الصحفيين كان قد كشف أن سر ارتداء الرئيس المصري للنظارة السوداء هولإخفاء دموعه عند رؤيته للفقراء.

ودرج الكثير من الإعلاميين في البرامج الحوارية على التحدث بنبرات الشجن التي تملأها العواطف حين يخاطب المستمع ويحدثه عن هموم المواطن المصري، إلا أن تلك النبرة سرعان ما تتغير لتنقلب إلي التهديد والوعيد حين التحدث إلى المعارضين. إلا أن للغة العواطف التي يتحدث بها معارضو النظام وقعاً ربما يكون أشد أثرا على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كان لدموع الشابة إسراء الطويل (23 عاما) التي وقفت بجسدها الهزيل ووجهها الشاحب أمام القاضي تبكي بذهول بعد تجديد حبسها 45 يوما في قضية تظاهر أثر بالغ ليشتعل بعدها "الفيسبوك" و"تويتر" تضامنا معها بهاشتاج يحمل اسمها. ولم تكن تلك هي القضية الأولى التي يتفاعل معها الرأي العام في مواقع التواصل الاجتماعي ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال إلا أن سرعة رد الفعل هذا إنما تعبر عن إرادة قوية من قطاع عريض لخلق إعلامٍ موازٍ قادر على كشف عورات المنظومة السلطوية.

ولعل أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام المصري وأحدث موجه عارمة من السخط لدى مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة هو ما عرف بقضية "فتاة المول" حيث عرضت المذيعة في برنامجها لقطات لواقعة تحرش بفتاة في أحد مراكز التسوق في القاهرة ثم أتبعت ذلك بعرض صور شخصية للفتاة كانت قد حصلت عليها من محمولها الخاص متهمة إياها بأنها السبب فيما حدث لها، ولم يتوقف الأمر عند انتهاك خصوصية الفتاة بل طال الأمر حتى تهديد المذيعة للفتاة بأنها تملك صورا أكثر ولكنها لن تقوم بعرضها في البرنامج.

وسرعان ما تفاعل الرأي العام مع هذه القضية وانتشر الهاشتاج الذي يعلن وفاة المذيعة أخلاقيًّا على مواقع التواصل الاجتماعي والدعوة لمقاطعة الشركات الإعلانية الراعية للبرنامج بحيث إن الكثير من تلك الشركات اضطرت لوقف تمويلها للبرنامج وأعلن صاحب القناة التلفزيونية الخاصة عن توقف البرنامج وهو الأمر الذي أحدث فرحا لدى شباب "الفيسبوك" والإعلام البديل الذي استطاع في قضية ما الانتصار لأخلاقيات مهنة الإعلام في احترام مساحة الحرية الشخصية للفرد.

وقد اعتاد بعض الإعلاميين السماح لأنفسهم بالخوض في أعراض الناس وتناول الحياة الشخصية بطريقة مثيرة للعواطف، إذ سبق وأن قامت إحدى الإعلاميات بتصوير لحظة القبض على مجموعة من الشباب يستحمون في حمام عام متهمة إياهم في برنامجها بأنهم من "مثليون جنسيا" وقامت المحكمة بعد ذلك بتبرئتهم جميعا.

وعلى الرغم من براءة الشباب إلا أن الطريقة التي تناولها الإعلام أدت إلى أضرار نفسية جسيمة لهؤلاء الشباب حتى أن أحدهم أقدم على الانتحار جراء الفضيحة التي سببها له البرنامج. إلا أن قضية الشباب لم تلقَ التفاعل المطلوب من الرأي العام مثلما حدث مع "فتاة المول" ربما لأن أحدا من هؤلاء الشباب لم يصل إلى الإعلام ليشرح ملابسات الموقف وربما لتحفظ المجتمع في تناول القضية التي وضعت إعلاميا في إطار الانحراف الأخلاقي في مكان عام.

وقد شهد المناخ الإعلامي في مصر في الآونة الأخيرة تراجع الكثير من أخلاقيات المهنة في ظل إحكام النظام السلطوي قبضته على وسائل الإعلام المختلفة بحيث أصبح الإعلام البديل في "الفيسبوك" وعلى المواقع الإلكترونية هوالسبيل الوحيد لتحريك الرأي العام ضد انتهاكات النظام للحياة الخاصة للمواطن.

ولم تقتصر إستراتيجية العواطف في الإعلام على تناول أخبار الحوادث والفضائح والتعرض للحياة الخاصة للأفراد بل شملت أيضا قيام بعض الإعلاميين بإذاعة تسجيلات هاتفية لبعض المعارضين للنظام وبعض النشطاء السياسيين. وفي ظل هذا المناخ المشحون عاطفيًّا لم يكن مستغرباً أن يلعب الإعلام على وتر عاطفة الخوف والهلع لدى الناس وتضخيم الأحداث وتصويرها على أساس أنها مؤامرات كونية تحاك ضد مصر. ففي أحد البرامج أرجع أحد الإعلاميين الأحداث التي وقعت في مصر أو منطقة الشرق الأوسط إلى قيام ما أسماه "المجلس الأعلى للعالم" بتدمير الدول دون الدخول في حروب وهو ما أثار موجة من السخرية والنكات على "الفيسبوك"، وذهب البعض بالسخرية إلى حد الإعلان عن وظائف خالية لتحريك النيازك وأحداث الزلازل في "المجلس الأعلى للعالم".

وللمرة الثانية استطاع إعلام "الفيسبوك" أن يدفع بتلك الادعاءات إذ تم تحويل هذا المذيع للتحقيق في اتهامه بنشر الشائعات وبث ونشر الرعب بين الناس.

وعلى الرغم من أحادية النظرة في الإعلام التلفزيوني واحتكاره لبث ما يتماشى والنظام السلطوي في مصر إلا أن الإعلام البديل استطاع كسر حاجز الخوف وفك هيمنة النظام على الإعلام ليفضح كثيراً من الممارسات غير الأخلاقية سواء من قبل الحكومة أو الإعلاميين بل ويحرك الرأي العام في الكثير من القضايا المهمة إذ لم يعد العالم الافتراضي في "الفيسبوك" هو فقط أداة لدغدغة المشاعر والتنفيس عن حالة الغضب العام وإنما تعدى ذلك إلى تفاعل حقيقي مكوِّناً إستراتيجية دفاعية بديلة لدى المواطن المصري في مواجهة النظام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.