المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

انجي سلامة  Headshot

استراتيجيات الخداع في الإعلام

تم النشر: تم التحديث:

أضحت وسائل الإعلام ركنا أساسيا من أركان الحكم في الأنظمة السلطوية لإخضاع الشعوب واستمالتها داخل إطار الدولة دون السماح بالتعددية الفكرية أو حتى التعبير الحر عن الرأي. فكل رأي مخالف للنظرة الاحادية للنظام إما يتم تهميشه أو إسكاته بدافع الحفاظ على الأمن القومي. و تبارت الأنظمة السلطوية في تطبيق استراتيجيات الإعلام العشر للتأثير في الرأي العام الذي تناولها المفكر الأمريكي الأشهر نعوم تشومسكي. ففي مصر- تلك الدولة الرائدة في صناعة الإعلام في العالم العربي- أصبح الإعلام جزءاً لا يتجزأ من المنظومة السلطوية. فعلى الرغم من تأكيد الدستور المصري على حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة في مواده (47) و(48) وتخصيصه فصلا كاملا تحت عنوان "سلطة الصحافة" يتضمن 6 مواد تكفل حرية الصحافة واستقلاليتها و تحظر الرقابة على الصحف, كما تضمن حق الصحفي في الحصول على المعلومات بشفافية, إلا أن الواقع الحالي في مصر شهد تقليصاً لحرية الرأي والإعلام وأضحت مصر تحتل المركز 158 من أصل 180 دولة في حرية الصحافة في سنة 2015 وفق مؤشر حرية الصحافة السنوي الصادر من منظمة مراسلون بلا حدود. ومع صدور قانون مكافحة الإرهاب في أغسطس 2015 أصبحت يد الصحافة في مصر مغلولة بحيث أصبح نشر أو ترويج أخبار تتعلق بالإرهاب مناقضة لبيانات وزارة الدفاع جريمة يعاقب عليها القانون إما بالغرامة أو الحبس. وفي تعليقه على قانون مكافحة الارهاب, قال كريستوف ديلوير الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود إن المصريين يدخلون بذلك إلى عالم أورويل بحيث يحق فقط للحكومة أن تنقل ماذا يحدث.

واعتمد النظام السلطوي في مصر على استراتيجيات عدة لإحكام السيطرة على المناخ العام منها على سبيل المثال
أولا: استراتيجية الإلهاء: وتعتمد على تحويل الأنظار عن القضايا المهمة وإشغال الرأي العام بقضايا ثانوية لا قيمة لها. ولعل تعمد وسائل الإعلام المرئية بنقل أخبار الفضائح والتشهير بأعراض الناس هو مثال واضح لإلهاء الرأي العام مثلما حدث في أحد البرامج الشهيرة حيث عرضت المذيعة لصور فادحة لإحدى الفتيات تعرضت لحادثة تحرش متهمة الفتاة بأنها المسؤولة عما جرى لها. ولم تكن تلك هي الواقعة الأولى إذ سبقتها واقعة مماثلة حيث قامت مذيعة أخرى بتصوير القبض على مجموعة من الشباب أثناء استحمامهم في حمام عام وعرضت القضية في برنامجها على أنه إلقاء قبض على مجموعة من "الشواذ" وهو ما برأته المحكمة بعدها.

ولم تقتصر استراتيجية الإلهاء عن تناول قضايا الحوادث والإثارة إذ طال الأمر حتى التناول الديني لفتاوى مثيرة للجدل من بعض الشيوخ مثل فتاوى إرضاع الكبير وجواز تدخين السجائر أثناء الصيام وغيرها من الفتاوى التي صدمت الرأي العام.

ثانيا: استراتيجية خلق المشاكل وعرض الحلول: وهي تعتمد على خلق مشكلة ما وتقديم حلول لها بما يضمن توافقها مع القرارات المطلوبة. فلم يعد يخفى على أحد أن النظام في حربه على "الإرهاب" قد قلص الحريات الأساسية وأخضع مفاصل الدولة تحت قبضته كما أعطى الفرصة للجهاز الأمني بالتغول في ممارسة القمع بحجة مكافحة الإرهاب. فقد أضحى الجهازان الأمني والعسكري في مصر هما العقدة والحل في آن واحد. فليس هناك أزمة في مصر إلا وتتصدر القوات المسلحة حلها بحيث أصبحت هي البديل عن الجهاز التنفيذي للدولة. فحينما تفاقمت مشكلة المخابز في مصر بحيث أصبح الطلب على رغيف الخبز أكبر بكثير من قدرة المخابز على استيعابه, فتحت القوات المسلحة المخابز التابعة للجيش بحيث استطاعت سد احتياجات الناس. وبالمثل عندما عجزت محطات البنزين عن الإيفاء بالطلب وأضحت محطات البنزين في شوارع القاهرة والمحافظات تعج بطوابير من السيارات تمتد أحيانا لمئات الأمتار, دفعت القوات المسلحة بشاحنات لنقل البنزين إلى المحطات الخاصة.

و على النطاق الأشمل تعتمد استراتيجية خلق المشاكل وإيجاد الحلول على البحث عن عدو وتضخيمه وبث حالة من الرعب لدى الناس حتى يتمسكوا بالنظام السلطوي. فقد أضحت نظرية المؤامرة هي الشغل الشاغل لوسائل الإعلام المصرية الرسمية, وأركان هذه المؤامرة -وفق تصريحات الخبراء الاستراتيجيين الذين تتم استضافتهم بشكل متكرر في وسائل الإعلام- هي دول مثل أمريكا وقطر و تركيا حتى أن احد "الخبراء الاستراتيجيين" قال في أحد برامج "التوك شو" إن القوات المصرية قد أحبطت محاولة لاقتحام الشواطئ المصرية قام بها الأسطول السادس الأمريكي. وأمعنت البرامج الحوارية والصحف التابعة للنظام في تصوير العدو الجديد على أنه الولايات المتحدة الأمريكية وأذرعها في المنطقة وتطاول الأمر اتهام المعارضين للنظام السلطوي بأنهم "عملاء وممولون" من جهات أجنبية.

ثالثا: استراتيجية التدرج: وتعتمد على التدرج في اتخاذ القرارات المطلوبة دون أن يحدث بلبلة لدى الرأي العام. و لعل أوضح مثال على ذلك هو الانهيار التدريجي في العملة المحلية المصرية وارتفاع الدولار أمام الجنيه المصري وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الاستهلاكية كما ارتفعت أسعار المواصلات العامة والعقارات والطاقة والبنزين. وبدأ المسؤولون المصريون يتكلمون من آن إلى آخر على ضرورة رفع الدعم عن السلع الأساسية والطاقة بحيث أصبح الرأي العام مهيأ للزيادة في الأسعار.

رابعا: استراتيجية التأجيل حيث يميل النظام السلطوي إلى تصدير القرارات على أنها "مؤلمة ولكنها ضرورية" للوصول إلى الأمل في المستقبل. ففي مصر أصبحت الوعود المؤجلة هي السمة الغالبة في الخطاب الإعلامي مثل مشروع علاج الفيروس "سي" أو مشروع المليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل وكذلك مشروع تطوير العشوائيات, كلها مشروعات تم الترويج لها إعلاميا وتحمس لها الرأي العام دون أن يكون لها أصل على أرض الواقع. كما طالب الرئيس نفسه المواطنين في مرات عديدة ببذل الجهد والتكاتف من أجل النهوض بالاقتصاد حتى أن الكثيرين تبرعوا من مالهم الخاص لصالح صندوق "تحيا مصر" وهو صندوق تم الإعلان عنه في سنة 2014 ضمن مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي لدعم اقتصاد مصر.
خامسا: استراتيجية سطحية الخطاب الذي يخاطب الشعب كالأطفال. فمن المشاهد المألوفة في الشوارع أن تجد لوحة إعلانات عملاقة تظهر ضابط جيش حاملا طفلاً صغيراً في الإشارة إلى دور الجيش لضمان المستقبل في البلد. و تميل وسائل الإعلام الرسمية في كثير من الأحيان إلى استراتيجية تسطيح الخطاب في حث الناس على القيام بأمر معين بحيث أصبحت لغة التوجيه والتلويح بالعصا والجزرة هي الطريقة المفضلة لدى الكثير من الإعلاميين. ولعل مشهد الانتخابات البرلمانية الأخيرة وصراخ العديد من الإعلاميين في القنوات التلفزيونية المختلفة بطريقة أشبه بصراخ المعلم لتلاميذه هي خير دليل على ذلك لحث الشعب على الإدلاء بأصواتهم.

سادسا: اعتماد خطاب عاطفي مثير للمشاعر: وهو ما حاول الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك اتباعه في آخر خطاب له قبل التنحي في فبراير 2011 حتى أن الكثير من المواطنين أطلق عليه لقب "الأب" مفضلا بقاءه في السلطة. وأصبح مشهد بكاء المذيع على شاشات التلفزيون و صوته الحزين من الاستراتيجيات المألوفة لكسب الرأي العام لصف النظام.

سابعا: إبقاء الجماهير في حالة من الجهل و الدونية: وهذا يعتمد إبقاء الرأي العام على مستوى معين من الجهل حتى يتمكن النظام السلطوي من إحكام سيطرته. وللأسف فقد باتت مصر في ذيل قائمة جودة التعليم إذ تبوأت المكانة 139 من أصل 140 دولة وفق آخر إحصاء لجودة التعليم. واعتمد النظام التعليمي على التلقين والنظرة الأحادية في كثير من الأحيان وقلت الموارد المخصصة للبحث العلمي. ولم يقتصر الأمر فقط على التعليم إذ امتد لحجب المعلومات عن الرأي العام في أمور كثيرة بحيث أصبح الرأي العام جاهلا بحيثيات الكثير من القضايا التي تهمه.

ثامنا: تشجيع الجمهور على استساغة اليأس والخمول بحيث وصل الأمر بالكثير من الشباب المصري بالتفكير في الهجرة واليأس من تحقيق طموحاته في مصر. وساهم الإعلام بشكل كبير في ترسيخ ذلك الشعور بث جو من الإحباط والاستسلام للأمر الواقع.

تاسعا: ترسيخ حالة من الشعور بالذنب وأن المواطن هو سبب شقائه حيث تعمدت وسائل الإعلام على إيهام الشباب أنه توجد فرص عمل كثيرة ولكنهم عاجزون عن البحث والعمل وأن سبب تدهور البلد هو تظاهراتهم السلمية أو تسكعهم في الشوارع والمقاهي.

عاشرا: فهم الأفراد بأكثر مما يعرفونه هم عن أنفسهم. وهذه الاستراتيجية اعتمدها الإعلام المصري في الكثير من القضايا بدافع أن الدولة تعرف المصلحة العامة اكثر من الشعب. وللأسف تم إهدار مليارات الجنيهات في مشاريع لم تدرس دراسة وافية مثل مشروع حفر تفريعة قناة السويس الجديدة وساهم الإعلام في التهليل لهذا الحدث واتهام كل من يعارضه بأنه "جاهل" بمصلحة البلد.

و لم يعد الإعلام المصري يقوم بدوره التثقيفي والتربوي إذ دخل في مستنقع الاستقطاب بحيث انفصل عن الواقع وساهم بشكل كبير في نفور قطاع عريض من الرأي العام منه لصالح القنوات الأجنبية ووسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت دور الإعلام البديل في كشف الحقائق التي يتعمد النظام السلطوي في مصر حجبها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.