المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيناس بن حميدة السلامي Headshot

بدايتي لي.. والنهاية أنتم عليها تشهدون

تم النشر: تم التحديث:

2017-12-19-1513687250-9816351-alonecutediarygirlgreennatureFavim.com91678.jpg

قد يتساءل العديد عن بداياتي.. ولم الكتابة؟
نعم، تساؤلك في محله. لكني مهما حاولت أن أحدثك فلن أستطيع أبداً التعبير عن مكنونات صدري الخفية، ولكن دعني أحدثك قليلاً عن الحياة ومنعطفاتها اللامتوقعة.

كثير من الأشياء قد حدثت في حياة كل فرد منا، هناك ما هو مؤلم وما هو مفرح..
دعونا من الألم، ولنتحدث عن الفرح.

تلك السعادة التي تغمرك في أثناء قيامك بما تهوى، تُقْبل على الحياة بأشياء بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها الجوهري، تُمارسها مع قلوب نقية؛ قلوب تألمت في حياتها كألمك وابتهجت كابتهاجك.

وتلك أنايا، عاشت الألم والفرح، ولم يكن السبيل إلى تخطي كل العثرات بحلوها ومُرها غير القلم والقرطاس.. فهما ببساطة، شيئان لم أستطع التخلي عنهما قط، رافقاني منذ نعومة أناملي ومنذ الوهلة الأولى لإقبالي بشغف على الحياة.

أذكر أنه في ذكرى عيد ميلادي التاسع، في ذلك اليوم تحديداً حددت أهدافي، حددت طموحاتي، كما حددت أحلامي التي سأصل إليها.. ربما حينما تقع عيناك على هذه الأسطر سترسم على شفاهك ابتسامة سخريةٍ تحمل في طياتها ريح الفضول.

في ذلك اليوم من تلك السنة، قررت أن أكسر القيد وأحطم الصنم، أن أؤمن بي، وألا أيأس من روح الله في نفسي.

في ذلك اليوم، أهداني شقيقي الأكبر كراساً وردياً، بهيَّ الألوان، طُبعت على جلِّ صفحاته شكل قلب على الجانب الأيمن منه، أهداني إياه مشجعي الأول في الحياة، وهمس بكلمات تلتها غمزة لمحتها من تحت نظاراته: "بإمكانك الآن أن تكتبي.. سيأتي يوم وسيذكر العالم من أنتِ. اهمسي للأفق وتجاوَزي كل الحدود، كوني أنت فقط، وانثري روحك في كل حرف ينساب منك.. أنت الآن كاتبة الغد، كل سنة وأنت بألف خير".

تلك كانت أغلى الهدايا في حياتي، فإني أعتبر أن أخي مساندي الدائم، السند الذي كلما أسندت رأسي عليه، تلوَّن داخلي ودبَّ في شراييني وقعُ الحياة، وتنفست أمل الغد. هو أول من شجعني على ملاحقة أحلامي بعد أن لاحظ ميولي إلى المطالعة وكتابة قصص قصيرة أثارت شكوك الكثيرين.

كيف يمكن لطفلة لم تتجاوز السنوات التسع التعمق والكتابة ببلاغة كراشد مطلع على الأدب وأدق أركانه؟

كانت البداية كغيرها عسيرة، لم أحظَ بالإرشاد والتأطير الكافي، حيث إني احترت؛ ما الذي سأخطُّه؟ ما الذي سيجعلني أنجح في إيصال صدى قلمي؟

طالت الأيام.. وتتتالت إلى أن أصبحت سنوات وأنا أهمس للورق ولم أتجرأ على أن أجعل صدى الكلمة يتجاوز الورق أو حتى درج مكتبي.

نعم، أعترف بأنني كنت خجولة.. لم أثق بالموهبة التي أنعمني بها الله، فكنت الكاتب الذي لم يؤمن به أحد، كنت الكاتب الذي سمَّى نفسه كاتباً، لا عالة على الاسم في حد ذاته؛ بل لأن الحرف وثَّق الاسم بنفسه.

أنا المقتنعة بفنها رغم وحدتها، أنا صاحبة الكلمة المحبوكة دون جمهور، أنا المتحصلة على استعطاف المارّ رغم قلة مروره، أنا المقتنعة بوجوبية الكتابة لنفسي قبل غيري.

وهنا يكمل سر استمراري في الكتابة.. كنت الناسجة إلى أحدهم كلمات ممشوقة،
قد أنجزت إنجازاً مختلفاً، قد شيدت طريقي بلغة أعشقها.

والأصل، أنني صنعت الاختلاف وسلكت درباً مختلفاً.. شردت نحو الغروب
وتبين لي أن لكل الدروب نهاية، وللقلوب ألف حكاية، وأنا بي رواية لم يتم حياكة فصل نهايتها بعدُ.

لم أجد الخلاص إلا في القلم.. مجرد حبر يتبعثر ويحط برحاله فوق قرطاس ليشكل حروفاً، ناسجةً كلمات تعبق ألماً، حباً، شوقاً، حرباً أماناً، سخريةً، نقداً.

كلمات وعِبر تترجم أنايا وما حولي.. لم أجد النجاح والقوة إلا بريح القلم الصامت، فأحياناً تغمرني أسطري، لكن لا أكتب.. فتخرس الأبجدية أمام ما تخطه الأنامل، فأظل أتساءل: لولا سلاحي بم كنت سأحارب؟!

لولا إيماني الشديد بقلمي، فأين كنت سأتواجد الآن؟ علني أن أكون كما يجب أن أكون.. طيب، وإن كنت كما لم أكن من قبلُ، فهل سأكون كما أردت أن أكون؟!

معادلة "نكون" هذه يملؤها كمٌ هائل من الفلسفة وهي تنطبق علينا جميعاً.. ألم يستيقظ أحدكم من قبلُ وبداخله سؤال مقيت، مثل: متى تهجرك تلك المشاعر الدفينة للخيبة؟ متى تُحارَب؟ متى تقاوَم؟ متى..؟ متى تجعل لنفسك كينونة، تخط بصمتك في هذه الحياة؟

إليك أيها الفاقد الرغبة، والباحث عنها في آن واحد، صاحب اللهو وضارب التناقض: متى تناجي أنفاسك، وتخبرها بأنك باقٍ ولست راحلاً؟ متى ستكون
محارباً للألم، للموت، لهواجس تزيدك غرقاً؟ متى ستكون متشبثاً بما يجب؟

كن ماكثاً ههنا.. متى ستُجابه كل الأعباء وتفعل كل تلك الأمور المتحتمة عليك
لتَظفر بنورٍ أنت تفتقده في صدرك قبل بصيرتك؟

أما أنا.. فأنا الحالمة بكل هذا، أنا الفاقدة لرغبة البقاء، أنا الباحثة عن تلك الأحاسيس.. لم يبقَ إلا بضعة أنفاس تخالج صدراً كصدري، في جسد أنهكته الأنا كأنا.

وبالقليل هذا، أحاول أن أظفر، أن أصل إلى بر مأمني.. زورقي قد رحل، قد بدأ رحلة كفاحه، أنتظر من نفسي البلوغ كانتظاره، والميناء قد امتلأ بالحشد.

كل الأعناق مدّت إلى فوق، بأبصارهم نحو الأمام.. كل اللهفة، كل الحيرة ملكت تلك القلوب، كل الأيادي وُضعت على تلك الصدور.

قاربٌ لامس مياهه المالحة، والرغبة تسكنه، سكنته دون أن تسكنني، غمرته دون أن تغمرني.. جدف بها دربه، أعان حاله دون أن أُعِينه.. أعياه طول السفر، وأنا أتعبته إلى حد الضجر.. لذلك أكتب، وساظل أكتب، فلن أبرح إلا حينما أبلغ.

آمنت ببساطةٍ أن البساطة فن، والفن حياة، والحياة تريد منك الكثير من الشجاعة،
والشجاعة يلزمها جرأة، والجرأة لن تكون إلا من نصيب شخص، والشخص عليه أن يكون أنا.

اليوم أخط حرفاً تم تجريده من الأسى، من كل وَهَن.. والأهم أن يكون العمل على الباطن قبل الظاهر.

حركاتي وسكناتي، أفكاري وتصرفاتي لن تكون نابعة إلا من خلال هذا العقل،
من قلبٍ أراد أن يغتنم فرصة البقاء، فما دام في الحياة لا يزال لقاء.

جردت كلَّ شيء من كلِّ شيء، حملقت في شتى الأمور.. ودققت، واستنتجت أن المرور لن تكون نتيجته إلا السرور.. ما الذي سيجعلني أنجح في إيصال صدى قلمي لغيري أنا.

تلك حكايتي مع القلم، تحدثت عن البداية.. والنهاية جلُّكم يعرفها اليوم..
اسمي يرافقه اسم أبي، يليه اسم جدي، ثم كنيتي ثم جنسيتي، قد توسموا في العالم العربي وما زال الطريق...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.