المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيناس بن حميدة السلامي Headshot

ليبقى الأمل

تم النشر: تم التحديث:

ننظر إلى السماء علّنا نجد أنفسنا.. نبحث عن تلك الذات التي تم دفنها من بين طيّات الأيام الراحلة، ارتحلت تلك الصورة وجرّتنا معها إلى حيث ما لا نريد.. تغربنا.. رحلنا.. ذهبنا بلا رجعة.

روح صبيانية تغمّدتها الآلام والفقْد.. تلاشت مع تلك الأنا المتخبطة في جحرها المظلم خوفاً من النور، رهبة من اليد الممكن انتشال تلك الروح المنغمسة في سوادها.. ترهب حتى من تلك النسمات المسائية.. تنزوي.. تختبئ.. تكتفي بتخبطها.. لترحل إلى حيث ما لا تدري.

فلو قررنا الإفصاح والتعبير عما يدور في خلدنا، أو عن الذي يجب أن يقال؛ كي يكون موجوداً ما بين لحظة وأخرى، ما بين فمٍ وأذن، عن الأشياء التي كانت موجودة في تلك السنوات التي مرت سابقاً، إلى أن رحلت، رحلت تلك الأيام بتواريخها، وبقيت الأحداث.. بقيت آثارها، وأبت أن تتنصل الجذور من مكانها، المهم أننا لو تكلمنا، لو تفوهنا بقليل من الكلمات، نرى ذاك التأثر، ليس من أي طرف مقابل، بل من قلب شخص يعلم شديد اليقين عن أي وجع يسعك أن تجهر به، أراد أن يستمع إلى ما تحلو لها الصدور، أن تفصح به، لتنحصر الدموع في تلك العيون.

قلب أراد أن يدنو من مسمع تلك الكلمات المنطوقة بألم شديد، بوهن أشد؛ لنجد حالنا أننا لم نتكلم بعد، بل مهدنا درب الإذعان بتفاصيل صغيرة، بلا عمق مذكور، والمطلوب لم نُقدم عليه بعد، فيوقفنا الفؤاد، ويعيدنا العقل إلى الوراء؛ كي يذكرنا، كيف كنا، كيف أن نظرتنا تجاه الحياة قد تغيرت.

سنة بعد سنة نجد أننا حقاً قد شهدنا تحولات عديدة، من فصول هذه الدنيا، من بشر، من ذات كنحن، من تجارب عدة أولها صراعنا القائم مع النفس.

الزمن كفيل بأن يغير كل شيء، بأن يسقط أقنعة، ويضع أخرى جديدة، فالعمل والمثابرة يكسبانك القوة والإرادة والنجاحات المتتالية، ولو كانت قليلة، تبني بها الشخصية القوية، أما السقوط والإخفاقات فهما يكشفان مدى قابليتك وجهوزيتك للمقاومة والوقوف ضد الكل في بعض الأحيان؛ لإثبات نفسك، وإعادة حساباتك وترتيب ملفاتك من جديد.

فنحن بكل تجربة نمر بها نكسب قناعاً جديداً دون أن ندري أو نعي ذلك، هو قناع لا يغير ملامحنا؛ بل يغير دواخلنا، ليخلق أمامنا لحظات فاصلة، إما ستكون لحظات تزيدنا عزيمة وتشبثاً بالحياة، تجعلنا مقبلين على الغد نخطو نحوه بكل تفاؤل.. أو ستكون لحظات تكبلنا، ونخطو بها نحو السجن بأنفسنا، سجن أحلامنا، سجن أنفاسنا؛ لنجد أنفسنا محاصرين بأحزاننا، والهموم هي من تكفكف لنا دموعنا.

قد يهيأ لنا أن حب الحياة لم يكن يعنينا،
ألم بلا أمل ذلك الذي يواسينا، فقد يعد التظاهر بالأمل والتفاؤل أمام ما يحدث الآن في واقعنا المعاصر، هو من قمة البأس والنفــاق.

إن أردت الأمل فلا تكترث لهذه الحياة، بل استعد لنهايتها.

وأنت في طريقك إلى الموت، حاول أن تستمع قليلاً، اضحك من قلبك ولا تتظاهر أنك سعيد، بل كن سعيداً؛ لأنك لن تحمل كل هذه المعاناة الدنيوية إلى الأبد؛ ليصبح هناك أمل حقيقي، نور يزجّ نفسه بنفسه داخل عتمة ظلماء، ينتشل الروح من عزلتها، من انزوائها عن المجتمع؛ لتدب الروح بخطاها، وتتبرأ من رماد ظل يلازمها على مر الأيام والأزمان التي مرت، وأن لا تبقى معلقة في غصن هكذا، جريحة وكل الفقد يغمرها، فصعب جداً أن تشتاق، صعب جداً أن تبقى بلا حياة، جسداً بلا حياة، عقلاً بلا أمل، قلباً يخر ساجداً في مكانه، باحثاً عن الإغاثة المطلوبة، عن النور الذي لا يسعه إلا أن ينتشلنا من عتمة اليأس والسواد الحالك.

صعب جداً أن تلازم مكانك بلا حراك، لست في مقام يسمح لي أن أبعث بغير هذا، لكن لا تكن كمثل أي أحد كان، كن أنت الاختلاف بعينه، وحينما تكون.. لا تتنازل عن الذي قد تم بلوغه، فلتغير الموازين.. فلتحيَ.

ارسم أيامك بكامل ورديتها، واجعل من "أناك" وابتساماتها تملأ الثغر كله، ومن الأمل كل الأمل يطغى على العمر كله، وأرسل وردة ياسمين فائحة؛ كي تبقي الأمل فيها، وفي نفس تاقت أن تظفر بلحظة من أمل، وفي يوم ما ستظفر به.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.