المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيناس محمد محمد Headshot

لا تسأل الطغاةَ لماذا طغوا؟

تم النشر: تم التحديث:

الطغاة على مر العصور جاءوا وانتهوا وسيولدون وسينتهون.
قد يتفاوتون في الطغيان ووسائله، لكنهم يتحدون في البدايات والنهايات.
جاءوا إلى الحكم مسالمين مستعطفين؛ ليصيروا دمويين جبارين متسلطين قمعيين، حتى ينتهوا أبشع النهايات مغتالين أو مقتولين أو منفيين أو مرضى نفسياً ومنتحرين.

أمثلة عبر التاريخ كثيرة تكاد لا تحصى، منهم "فرعون، نيرون الروماني، كاليغولا، الحجاج، عباس السفاح، هتلر، ستالين، ماو، أمين دادا، شارون، صدام حسين، القذافي، باتسيتا".

ظل الطاغية هو الطاغية، لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا صوته، لا يهتم إلا بمصالحه والحفاظ على عرشه، يتملكه الغرور والاستعلاء والغباء وكثير من الدهاء والمكر والخديعة، لا يتعظ من دروس التاريخ ومحاسبة الشعوب، متصوراً أنه ما دام في السلطة فإنه سيظل أبداً فوق رقاب العباد ناسياً مُتناسياً أنه قد يصبح بين عشية وضحاها نكرة، وقد زال عنه سلطانه، وأصبح وجهاً لوجه أمام شعبه وويل له من لعنتهم وغضبهم.

الطغاة يدفعون ثمناً باهظاً على كل ما اقترفوه من ظلم وإذلال للشعوب، وكذلك لعنة التاريخ، فالتاريخ لا يرحم أحداً، وإن كان سيُزور لصالح الحاكم فبعد آلاف السنين تظهر الحقائق، ويعاد الحق لأصحابه "أبرز من ظلمهم التاريخ ورُد لهم حقهم الملك فاروق، محمد نجيب وغيرهما".

إن كان لكل شيء في هذا الكون من نهاية، فأيضاً للشر نهاية، فالغلبة للخير ولكلمة الحق مهما غابت الشمس.

وكل ديكتاتور طاغٍ يحاول إسكات الحق، ولكن إلى متى سيستطيع؟ فهو يتناسى العبرة التي يمكن أن يستخلصها من السابقين، ولكن كما قلنا فهم مصابون بالغباء.

وأكثر الطغاة يخشون الموت، وكأنه غير موجود في حساباتهم.

"لا تسأل الطغاة لماذا طغوا؟ بل اسأل العبيد لماذا ركعوا!".
ما سنتحدث عنه هو نموذج صارخ من نماذج الطغاة "فولهنسيو باتيستا" في كوبا، وصل إلى الحكم معتمداً على ولاء الجيش له، ومعاونة السلطات الأميركية عقب انقلابه عام 1933 وتعيين نفسه قائداً للجيش، ثم خاض الانتخابات بلا منازع، وقفز للحكم عام 1940 خلفاً لـ"هيراردو ماتشادو".

وعندما انتهت مدته، وأجبر على التخلي عن المنصب بعد سنوات لم تشهد البلاد فيها تقدماً، عاد إلى السلطة مرة ثانية بانقلاب دموي ضد كارلو سوكراس عام 1952، وظل في الحكم حتى قامت عليه الثورة بزعامة كاسترو في يناير/كانون الثاني 1959.
فقد كان باتيستا يعامل شعبه بالقسوة والعنف والإذلال، ويتجسس بعضهم على الآخر، وينفق ببذخ على الجيش ليقوى منه، وزوده بالأسلحة والمعدات ليحميه من أي انقلاب أو ثورة قد تطيح بحكمه، ولكن الشعب لم يستسلم، ولم يلتزم الصمت جراء تلك الوحشية والجبروت، فقد قامت طبقة المثقفين والشباب بعدة تظاهرات ضده، وحاولوا كثيراً اغتياله، ولكنها محاولات باءت بالفشل ولكنهم لم يستسلموا.

فالشعوب قد تستكين ولكنها لا بد أن تفيق وتحاسب، والويل لمن يقمعها، فالشعوب لا تنسى.

وكأي ديكتاتور متجبر قام بقتل خصومه وقمع معارضيه وإشاعة الخوف والرعب، وانتهاك القيم الإنسانية والأخلاقية واحتقار المواطنين، وأفرط في السادية حتى إنه كان يلقي بجثث قتلاه في الشوارع؛ ليخيف العامة، وكمم الأفواه ولاذ بالاستعانة بالقوى الأجنبية ضد شعبه، وسمح لنفسه بأن يكون سمساراً لخدمة الاحتكارات الأجنبية؛ ليزيد من أمواله وثروته، فكان كل ما يشغله امتلاء بطنه وجيبه هو وحاشيته؛ ليضمن ولاءهم، وإهمال شعبه البائس الفقير القابع في ظلمات الجهل والفقر والمرض.

نهاية باتيستا

في يناير/كانون الثاني عام 1959 قام كل من فيدل كاسترو، وراؤول كاسترو، وجيفارا، ومعهم ثلاثمائة مقاتل، واتجهوا نحو العاصمة الكوبية "هافانا" للإطاحة بحكم باتيستا، وبالفعل نجحوا وانضم لهم كثير من شباب كوبا، وأطاحوا بالحكومة وانتصرت الثورة، وهرب باتيستا وقُتل عام 1973، وعُين فيدل كاسترو رئيساً، واعتبروه المنقذ، وظل في الحكم حتى عام 2006 إلى أن تخلى عن منصبه عقب إجرائه عملية جراحية، وتنازل عنه لأخيه راؤول.

وقيل أيضا إن فيدل تحول من ثوري لديكتاتور في أواخر عصره، فنحن شعوب نجيد صناعة الطغاة وتمجيد حكامنا، فلا بد لنا أن نكف عن خلق الإله على الأرض، ونتيقن أن الحاكم خادم لشعبه.. موظف يشغل كرسي الرئاسة لفترة حكمه، إما أن يستمر أو يغادر حيثما يريد الشعب، وليس بفرض السيطرة عليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.