المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيناس محمد محمد Headshot

سأصارع من أجل قدرتكم على القول بِحُرية

تم النشر: تم التحديث:

حرية التعبير ليست فقط مهمة باعتبارها حقاً قائماً بذاته وإنما لأنها ضرورية إذا ما أريد.. وإذا ما استطاع الناس الحديث عن أفكارهم وآرائهم ومعتقداتهم دون خوف أو ترهيب أو قيود تمارس عليهم سواء معنوية أو مادية.

في مصر ما زال أمامنا الكثير والكثير من أجل تقبّل الرأي المخالف ورؤية الآخر بنظرة بعيدة عن الدونية والتعصب والعنصرية وممارسة إرهاب الفكر والحجر عليهم.

بداية لعلنا قد لا نختلف في أن من حقّ أي إنسان في هذا الكون أن يحبّ ما يشاء، وأن يكره ما يشاء، يؤمن بما يشاء، ويكفر بما يشاء من الأفكار التي يراها تروق له، وأن يرفض كذلك ما يشاء في هذه الحياة من أوضاع أو تصوّرات أو مفاهيم، لكن ليس من حقه أن يفرض كذلك على الآخرين أن يكونوا صورة مكررة منه، كما أنه ليس من حقه أن يقف موقف العداء مع الآخرين في حالة الاختلاف معه، أو أن يُسفّه آراءهم ومعتقداتهم وأذواقهم.

فالرجال غير متقبلين لفكرة تحرر المرأة واستقلالها وتقلدها للمناصب، والنساء غير متقبلات لفكرة سي السيد وأن الست تُساق ولا مجال لها غير البيت وتربية الأبناء.

الطبقات العليا تنظر للطبقات الوسطى والدنيا باحتقار وتعالٍ وتكبر، والعكس، وليس فقط التقبل بين الطبقات، ولكن وصل الحد به إلى الاحتقار بين المحافظات وبعضها أو في المحافظة الواحدة والمناطق النائية داخلها.

التدني والاحتقار وصلا به إلى حد عدم تقبل مظهر وشكل كل منا للآخر، وكذلك التصارع بين الأجيال وعدم تقبل كل جيل لغيره.

"أختلف معك أحياناً أحترمك.. أختلف معك دائماً أقتلك!".
في حقيقة الأمر ما دفعني للكتابة عن (ثقافة تقبل الآخر) وعدم ممارسة التعنصر والإرهاب النفسي على ذلك الآخر الذي قد يختلف عنا (لوناً، عِرقاً، ديانة، فكراً أو حتى اختلافاً بسبب إعاقة...)، الصراعات التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً، لماذا ننظر دائماً إلى الذين يختلفون عنا نظرة التضاد وليس التقارب؟ نظرة الاحتقار لا الإباء؟ الإذلال لا الإجلال؟

والحقيقة أقول: إن هذه النظرة تهتم فقط بالقشرة الخارجية، وهي نظرة سطحية بلا شك خاوية من المشاعر والإحساس بالآخر ومراعاة كرامته وتقدير ذاته.

وهذا يدفعنا إلى تساؤل هام: هل نهتم بالشكل أم بالجوهر؟
لو أجبنا بالشكل فقد نحظى به ولكنه قد يكون خاوياً من أي مضمون وبلا جوهر حقيقي.

أما إذا اهتممنا بالجوهر لوجدنا معدن الإنسان الأصلي، ذلك الإنسان الذي يوجد بداخل كل منا، المتمثل بالبساطة والأخلاق والمشاعر السامية التي خُلقنا بها قبل أن نتحول وتغير الحياة وتطلع علينا من شرورها ومساوئها، فهو منا ونحن منه، بل أبعد من ذلك وبنظرة مجردة نحن جميعاً على كثرة اختلافنا ننتمي إلى فصيلة البشر.

فلماذا إذن ننظر إلى تلك الفوارق والاختلافات وكأن الآخر من كوكب المريخ مثلاً؟ بل نضع الحواجز والمسافات فيما بيننا!

لماذا لا نتعامل على أننا جميعاً بشر خلقنا الله من طين وسنعود إليه، وإن وجدت بيننا اختلافات فهي اختلافات شكلية خارجية فقط وليست جوهرية.

فقد نختلف، ولكن نتقبل الرأي الآخر ونحسن الاستماع إلى البعض، وقد نجد أننا مخطئون في تقديرنا للأمور، وقد نزداد معرفة ونكتسب معلومة جديدة لولا الاختلاف ما كان بوسعنا معرفتها.. إنما أن نختلف ونتشبث بمعتقداتنا دون إعطاء فرصة للآخرين والأسوأ من ذلك مع ضعف حجتنا نتطاول وتصل الأمور إلى ذروتها من الحدة والتعصب.

يتعين علينا الدفاع عن حرية التعبير في حد ذاتها، وليس لمجرد أنها تساعد على التنظيم وخلق مجتمع ذي قوام صَلب.

"رأيي صواب يحتمل الخطأ.. ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"..
فالحرية إمكانية الفرد على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة دون أي جبر أو ضغط خارجي، وتعرف أيضاً بأنها التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه، سواء كانت قيوداً مادية أو قيوداً معنوية، فهي تشمل التخلص من العبودية لشخص أو جماعة، والتخلص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما.

الحرية أيضا إحدى أهم قضايا الشعوب وهي من أهم الأوتار التي يعزف عليها السياسيون، فالكل يطمح لاستقلال بلاده، وأن يكون شعبه حراً في اتخاذ القرارات لمصلحة الشعب أو الجماعة أو المجتمع الذي ينتمي إليه.

حرية الرأي والتعبير في المواثيق الدولية:
أفرد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص المادة (19) منه لتنظيم الحق في حرية الرأي والتعبير بقوله:
(لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود).

ونلاحظ في هذه المادة أنها قد وازنت بين ممارسة حرية الرأي والتعبير وبين كفالة حقوق وسمعة الآخرين، فقالت: (فإن هذه الحرية تخضع لقيود معينة، ولكن فقط بالاستناد إلى نصوص القانون التي تكون ضرورية وهي: أ- من أجل احترام حقوق وسمعة الآخرين).

ويحزنني كثيراً عندما أسمع ما يدور بين أبناء المجتمع الواحد، خاصة بين تلك الفئة ممن يدّعون أنهم أصحاب فكر وثقافة واسعة ومعرفة وينادون بالحرية والعدالة وقد يسعون لتحقيقها طالما لا تطال ذاتهم.

ومعنى هذا أننا لو حاولنا فرض ما نعتقد به على الآخرين نكون كأننا نفرض عليهم أن يبدلوا أشكالهم بأشكالنا، وهذا ضرب من المستحيلات، بمعنى أن الاعتراف بتباين الآراء والأفكار أمر حتمي، وخلاف ذلك يكون سعينا ضرباً من العبث إن لم يكن من الحمق، وأعتقد أنه لو أدركنا الفرق بين مقولة: "إذا لم تتفق معي"، وبين مقولة: "إذا اختلفت معك"؛ فلن تحدث الصراعات التى نشاهدها.

ثقافة الاختلاف تعني احترام كل وجهة نظر ورأي واختيار مخالف لآرائنا وأفكارنا واختياراتنا، وسماعه ومناقشته في أجواء يسود فيها الاحترام والهدوء والأمان، وترك المجال لصاحبها للتعبير عنها وشرحها، فالاختلاف رحمة وهو عنصر أساسي لتقدم المجتمعات وخلق مناخ صحي يسوده التراحم، فهل آن الأوان لمجتمعنا المصري الذي يسكننا ولا نسكنه أن ينال حظه من تلك الثقافة؟!

فليس من المعقول أن شعباً قامت به ثورتان للقضاء على الظلم والفساد وكان شعارهما (عدل.. حرية.. مساواة) فلا عدل ولا حرية ولا مساواة، بل هناك ظلم وعنصرية وسجون وانتهاكات خصوصية ومصادرة آراء وحجب مواقع معارضة، وجهات أمنية تتفنن في حياكة قضايا للمخالف، وقادرة على فبركة كل القضايا، واغتيال رأى كل معارض.

نحن نحتاج إلى ثورة داخلية، نحتاج إلى قنابل تدمر أسوار كل النرجسيات والأفكار الرتيبة المتأصلة بأعماقنا.. لندرك بحق إنما الأمم الأخلاق.. نحتاج إلى جلد ذات.. إلى ثورة لمنع الازدواجية.. لمنع الاضطهاد.. لمنع الشيزوفرينيا.. لمنع كل ما هو ضد الإنسانية.. نحتاج إلى هدم فكر عتيق تسير عليه الدولة المصرية منذ عام 1952.

نحن شعب ونظام مريض بمرض الكراهية وعدم الإنجاز.. الكراهية التي تجرعها مئات الآلاف في المدارس الدينية التي تحرم الآخر من الالتحاق بها فيتخرج سنوياً مئات الآلاف من أشباه البشر لا يدركون أن هناك آخر ولا يعرفون أنهم أصحاب وطن، فيعيشون بثقافة أُحادية ويعلمون ملايين آخرين العنصرية الحقة؛ لأنهم أحاديو الثقافة والانتماء والهوية!

هذه الجملة ستُلخّص كل ما قد قيل: نحن بحاجة إلى تعلّم ثقافة الاختلاف لا الخلاف، فليس كل ما يُعجبك بالضرورة سيُعجب غيرك، وليس كل ما تؤمن به من أفكار ومعتقدات بالضرورة يكون له لدى الآخرين نفس الصدى من الاعتقاد والإيمان أو له نفس الدرجة من التأثير والأهمية، وليس كل ما تراه صحيحاً هو حتماً في نظر ورؤية الآخرين كذلك.. ليس كل ما تراه خطأ ويتنافى مع قيمك.. أخلاقك.. آرائك.. ثقافتك.. معتقداتك.. مذهبك حتى يبدو على نفس الصورة في مفهوم الآخرين.. وقديماً قيل: الناس فيما يعشقون مذاهبُ، وكما قيل: لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع.

وأخيراً فإن "أدب الخلاف ينحصر في قول كل ما يحلو لك وكيفما تشاء، ولكن بشرط ألا تؤذي أحداً، وأن تكون حدود حريتك بداية نطاق حدود الآخرين".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.