المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان النمس Headshot

مغالطات تبرير التدخل الروسي في سوريا

تم النشر: تم التحديث:

جاء التدخل العسكري الروسي في سوريا على حين غرة، فلم يكن متوقعاً من الدولة التي نادت بترجيح كفة التسوية السياسية أن تتورط عسكرياً وبشكل مباشر وعلني في مجريات الأزمة السورية تحت أي مسمى سواء الدعم الصريح للنظام السوري أو ضد الدولة الإسلامية بهذا الشكل الذي سيترتب عليه استمرار العمليات العسكرية مدة طويلة - قدّرها بعض الخبراء بالأشهر - قبل أن تتضح نتائجها في الميدان .

لكن يبدو أن حالة الفراغ التي خلقها التراجع الأميركي على مستوى الأزمة السورية كان دافعاً لتتقدم روسيا مظهرة نفسها كقوة كبرى قادرة على تغيير التوازنات والمعادلات السياسية، هذا إضافة الى ظروف أخرى تتعلق بشكل أساسي بتعديل مستوى النفوذ الإيراني بعد إبرامها الاتفاق النووي مع الغرب، كما من المتوقع أن يؤدي الدور الجديد الذي تلعبه روسيا في سوريا الى تحسين موقعها التفاوضي في عدد من الملفات مثل العقوبات الدولية المفروضة عليها .

هذا إضافة إلى الاهتمام الروسي بالحفاظ على الجيش النظامي السوري والمؤسسات متماسكة؛ كونها تستند إلى نخب ستحفظ المصالح الروسية وترعاها، حيث إن روسيا أصبحت مدركة أن التقهقر الذي بات يعاني منه النظام سيؤثر بشكل مباشر على وضع المؤسسات السيادية، حيث يعد سيناريو التفكك والانحلال هو الأسوأ بالنسبة لروسيا، في حين أنه لو ثبت أنه لا يمكن الحفاظ على الوحدة الترابية لسوريا فستعمل على التكيف مع وضع بناء دويلة قادرة على البقاء في منطقة نفوذ النظام أين يوجد حلفاؤه على الساحل .

وقد كان هذا الموضوع هو الخلفية للاتفاق والتنسيق الروسي الإسرائيلي، فإسرائيل أيضاً تخشى من انهيار النظام بمجمله وليس رحيل الاسد فقط الذي إن حدث سيؤدي الى حالة من الفوضى ستنعكس سلباً على الوضع الإسرائيلي، كل هذه الأمور التي تم عرضها تكاد موضع اتفاق بين المحللين والمهتمين بالأزمة السورية، لكن الأمر الذي يلاقي ردود فعل مختلفة هو الموقف من التدخل الروسي .

إننا نجد أربع فئات رئيسية متعاطفة مع التدخل الروسي لأسباب مختلفة سواء التأييد للنظام الأسدي ومحور الممانعة، أو التأييد انطلاقاً من الاعتبارات الطائفية، أو أن خريجي مدرسة الحرب الباردة الذين يرون أن بوتين ذا شخصية قوية سيعيد لروسيا رونقها ومكانتها، وهناك المعجبون بهذا الموقف القوي لروسيا بشكله البراغماتي دون أدلجة أو تحميل الموقف أكثر مما يحتمل، في الوقت الذي توجد فيه فئات تعارض التدخل أيضا، لكن سأهتم هنا بمناقشة آراء المؤيدين وحججهم في ذلك.

دحض حجج هؤلاء من الناحية السياسية سيكون أمرا صعبا، فروسيا استردت زمام المبادرة واتخذت قرارا تكلفته عالية وحجم مخاطرته مرتفع بما يوحي بجسارة، لكنه أيضا قرار رابح بسبب التوقيت الذي يعاني فيه الغرب من انقسام حاد اتجاه ما يحدث في روسيا، فإذا اطلعنا على المواقف الأوروبية سيتضح تماماً حجم التباين في هذا الملف من دولة الى أخرى، إضافة الى التردد الأميركي بسبب التخبّط الداخلي الناتج عن صراع المؤسسات، فما بين وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي يمكن أن نلاحظ أنه لا يوجد اتفاق حول ما يجب أن تقوم به الولايات المتحدة الأميركية لحل المعضلة السورية .

إضافة الى عدم قدرة الغرب الغاضب من التدخل الروسي على القيام بأي إجراء من شأنه إيقاف روسيا عما تفعله خاصة في ظل تذرعها بأن تدخلها يهدف لقتال الدولة الإسلامية سوى التنديد والإدانة، كما أن العائد من هذا التدخل سيكون لصالح روسيا وحلفائها على ارجح تقدير. السؤال المطروح هنا هو ماذا عن الموقف الأخلاقي وماذا عن المدنيين ضحايا الحروب الذين يسقطون مع امتداد عمر الصراع؟ هل يمكننا اهمال أن التدخل الروسي المباشر من اهم آثاره انه سيؤدي الى تعقيد الصراع وإطالة أمده، وربما الى تفتيت سوريا .

قد يرى البعض ان روسيا تقوم بالدفاع عن مصالحها وهو ما تقوم به الدول الكبرى الأخرى، ومن ثم فالأمر هنا في حدود المقبول، لكن من قال إن من ما تقوم به الدول الاخرى من تدخل خارجي أمر مستساغ، خاصة بالنسبة لأولئك الذين لم يؤيدوا الضربة الامريكية ضد النظام السوري بعد استخدامه للأسلحة الكيميائية في الغوطة ، كيف ينقلب الموقف حاليا مع روسيا، بالطبع.. لا يمكن أن يبرر هذا الموقف بحجة ان التدخل الى جانب النظام "شرعي"، في حين أن التدخل ضده غير ذلك، لان التدخل مع أي طرف متورط في حرب اهلية بشكل مباشر يعتبر مشاركة في هذه الحرب وتوسيعاً لنطاقها عندما يكون هذا التدخل خارج الأطر المؤسسية الدولية .

الأسوأ من التبرير هو وضع غطاء مقدس لحرب طاحنة يقضي فيها على الأبرياء، فقد انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي ضمن الطائفة الشيعية من يدلل على ان بوتين من سلالة محارب نصراني قاتل مع الحسين في كربلاء ضد جيش يزيد سنة 61 للهجرة، وهو ما يزيد من تعميق البعد الطائفي للصراع في سوريا اكثر وأكثر، فبعد التدخل الايراني لاتزال المحنة قائمة، فهناك من يعتبر ان الحرب هي حرب طائفية بين الشيعة والسنة، فأنصار الجماعات المتطرفة مثل القاعدة والدولة الاسلامية أصبحوا يعتبرون أنفسهم ممثلي الطائفة السنية، وخطابهم ازداد حدة بعد التدخل الروسي، ومن المتوقع أن يزداد عدد المنضمين اليهم بعد الترويج لدعاية ان ما يحدث حرب مقدسة .

الأمر الآخر يتعلق بتجاهل من كان يحسب من المتعاطفين مع محور الممانعة لفكرة التنسيق الروسي الإسرائيلي، وكأنها لم تحدث، أليس هذا الأمر مؤشراً سيئاً للغاية على دولة كانت تحسب من مناصري الحقوق الفلسطينية أن تمد يدها نحو إسرائيل لا الى أي دولة أخرى، إذ يبدو أن ذلك شديد الدلالة، فالتنسيق تم مع دول إقليمية أولاً إسرائيل ثم إيران، في حين أن العرب لا محل لهم من الإعراب في الأزمة السورية في نظر روسيا .

يبقى في الأخير أن ورثة عقلية الحرب الباردة الذين لا يدركون أن روسيا تغيرت والعالم تغير، فروسيا اليوم لا تسعى الى إزاحة الغرب بل تعمل على التفاوض معه، كما أن روسيا لم تعد حامية المبادئ الاشتراكية التي كانت تمنحها أرضية أخلاقية، ففي الزمن الذي مضى كانت تروج لنفسها على أساس أنها دولة ثورية، أما في هذه الفترة فهي دولة مجردة من الأيدولوجيا كل ما تملكه هو صناعة الأسلحة التي أصبحت تؤثر على اتجاهات سياساتها الخارجية .
في الواقع روسيا التي كانت تنأى بنفسها عن الصراعات، كانت أفضل حالاً منها الآن .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.