المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان النمس Headshot

اوروبا وأزمة اللاجئين

تم النشر: تم التحديث:

مازال تدفق اللاجئين عبر الحدود الشرقية لأوروبا مستمرا اذ تتوقع المفوضية السامية للاجئين ان يصل الى المجر حوالي 40 الفا خلال هذا الاسبوع في حين ان الجزر اليونانية قد وصل اليها ما يقرب 30 الفا ، في الوقت الذي اعلنت المانيا انها تتوقع وتستعد لاستقبال 800 الف لاجئ هذه السنة ، وهي ارقام اكبر بكثير من الحصص التي كانت تنوي الدول الاوروبية تقاسمها سابقا حيث كان الحديث يدور حول حوالي 120 او 140 الف لاجئ تتقاسمها دول الاتحاد الاوروبي ، وهو ما يشي بأزمة ستعاني منها الدول المستقبلة خاصة اذا استمر التدفق بهذه الوتيرة العالية .

فمن الواضح ان الدول الاوروبية ليست مستعدة لاستقبال الملايين من اللاجئين ويرجع ذلك الى عدد من الامور من ضمنها ان دول الوصول مثل اليونان وايطاليا ودول اوروبا الشرقية اقتصاديتها هشة وبعضها يعاني من مشاكل عويصة متفاقمة في هذا المجال ، اضافة الى التوجس من الهوية الاسلامية للاجئين فقد اعلنت دول صراحة مثل المجر وقبرص وسلوفاكيا انها مستعدة لاستقبال بعض اللاجئين المسيحيين على وجه الحصر بدعوى ان هؤلاء سيكون اندماجهم سهلا في مجتمعاتها ونظر لأنهم يتحملون جزءا مضاعفا من الاضطهاد حسب تصريحاتهم ، حتى الدول التي تعتبر ان حركة اللاجئين هذه قد تكون مفيدة لاقتصادياتها مثل المانيا تخضع لضغوط جمة لن تجعل ابوابها مفتوحة لجميع اللاجئين لفترة طويلة من بين هذه الضغوط شعبية رئيسة الوزراء ميركل التي تراجعت مؤخرا بسبب موقفها من اللاجئين ، فضلا عن تكلفة استقبال اعداد كبيرة المرشحة للارتفاع .

رغم انه توجد حركة مؤيدة لاحتضان اللاجئين تقودها مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية خاصة بعد حادثة غرق ايلان كردي المأساوية وانتشار صورته ممدا على الشاطئ التركي ، حيث اثارت هذه الصورة صدمة واسعة وتناقلتها كل وسائل الاعلام ودفعت الى انتشار حركات احتجاجية في عدد من المدن الاوروبية مثل ما حدث في النمسا وفرنسا بهدف تغيير سياسات هذه الدول لتتقبل فكرة استقبال اللاجئين دون مضض وهو بالفعل ما يفسر الاستجابة الفرنسية بعد فترة من الرفض لنظام المحاصصة حيث تم الاعلان عن الاستعداد لا استقبال 24 الف لاجئ سوري ، نفس الامر حدث في بريطانيا اذ غير كاميرون قراراته من النقيض الى النقيض حيث تململ في البداية من فكرة استقبال اللاجئين على الاراضي البريطانية ثم انقلب موقفه لاحقا وبشكل مفاجئ لدرجة تقديمه وعدا باستقبال 20 الفا على مر السنوات القليلة القادمة .

لكن قبول استقبال اللاجئين وتقاسم الحصص ليس كافيا ، خصوصا اذا استمر التدفق بهذا الشكل الذي سيؤدي الى ارهاق الدول الاوروبية عندما تستنفذ سعتها وتبدأ ازمات تظهر على السطح تتعلق بوفود المزيد من الاعداد خاصة اذا استمرت حملات اليمينية المتطرفة المعادية للمهاجرين التي بدأت ترتفع اسهمها مؤخرا مع تبنيها لخطاب شعبوي يلقى قبولا من قبل فئات واسعة يتعلق اساسا بان هؤلاء المهاجرين سيغيرون الطبيعة الثقافية لأوروبا وسيعملون على اسلمتها والإضرار بأنظمتها العلمانية ، كما انهم سيحملون تناقضاتهم الثقافية وامكانية وجود عناصر متطرفة من الجماعات الجهادية المنتشرة في الشرق الاوسط وسط اللاجئين ، وأخيرا اضرارهم بالاقتصاد وتسببهم بزيادة البطالة ، ورغم ان هذه الحجج تدحض يوميا من قبل متخصصين امنين واقتصاديين إلا انها مازالت شديدة الانتشار في خطاب هؤلاء وتجد اذانا صاغية من عموم الناس .

وهو مادى ببعض الدول الى اقتراح خطط اخرى مثل المبادرة النمساوية التي ركزت على حماية حدود الاتحاد الاوروبي واقامة مناطق امنة في مناطق الصراع حيث لا حاجة للمدنيين المتضررين لاجتياز الحدود الدولية ،اضافة الى تقاسم حصص اللاجئين بين الدول الاوربية ، كما وضعت بريطانيا خطة فردية تتضمن استقبال اللاجئين من المخيمات وتتضمن دعم التوصل الى حل سياسي في سوريا ، والعمل على انشاء حكومة وطنية في ليبيا اضافة الى مكافحة المهربين وتجار البشر.

لكن هل يمكن ان تضع اوروبا تصورا موحدا للقضاء على جذور الازمة من خلال الدفع في مجال ايجاد تسوية سياسية في سوريا تضمن حدا من الاستقرار ينتج عنه توقف موجات اللجوء ، لابد ان هذا هو السؤال الصعب فأوروبا منقسمة من حيث سياستها الخارجية اتجاه سوريا في عدد من المسائل اذ هناك دول كانت تفضل التعاون مع الاسد لمكافحة تنظيم الدولة الاسلامية فضلا عن عن دول كانت تفضل التدخل العسكري ضد الاسد مثل فرنسا في حين تنأى دول اخرى بنفسها عن ذلك مثل الموقف الألماني، فان حدث اتفاق في هذا المجال فلابد انه سيكون اتفاق الحد الادنى ليرضي الجميع والبديل عن ذلك هو ان تقوم الدول المتحمسة لفكرة التدخل بأعمال منفردة لدعم المعارضة او منحها سلاحا نوعيا خارج الاطار الاتحادي بهدف تفادي الجدل المتعلق حيال هذا الامر .

اثناء ذلك ستبقى ازمة اللاجئين التحدي الاكبر امام اوروبا بشكلها الموحد فهي تفتح الباب على الخلافات التي تم دفنها وتجاهلها في مجال السياسات الخارجية ، ولابد ان الفترة القادمة ستكون شديدة الاهمية لتحديد الاتجاهات الكبرى من هذه المسألة اما المزيد من التقارب لتحقيق تعاون حقيقي وفعال في هذا الملف لتجاوز هذه الازمة ، او المزيد من الانقسام مثلما حدث مع فكرة المحاصصة سابقا والذي كان عائقا امام وضع حلول ناجحة ومتكاملة .


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.