المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان النمس Headshot

مصر السيسي : لا أمن ولا ديمقراطية

تم النشر: تم التحديث:

درجت العادة أن تتباهى الأنظمة السلطوية والدكتاتورية بالاقتصاد المزدهر أو الأمن كحالة تعويضية عن حالة التردي في مجال الحريات وحقوق الإنسان، لكن في حالة النظام الذي يحاول الرئيس المصري بناءه يتعذر عليه القيام بذلك، فالاقتصاد في حالة مزرية وكذلك المجال الأمني، فلولا المساعدات السخية من الدول الحليفة والمستفيدة من الخطوات المفضية إلى خنق الإخوان المسلمين لانهارت مصر اقتصاديا ،وحاليا وضعها على الحافة فهي تعرف تقلبات أثرت على مستوى المعيشة بشكل هو الأسوا منذ سنوات، من ناحية ثانية الوضع الأمني ليس مبشرا مع تكاثر التنظيمات المتطرفة وكأنها فطريات وتطور قدراتها على ضرب مواقع حساسة والإضرار بالمؤسسات الأمنية وبحركة السياحة .

تكمن المشكلة في المجال الأمني في غياب الحس الاستراتيجي حيث تبدو الخطوات المتبعة وكأنها تفتقد لرابط منظم، وبعضها يهدم إنجازات سابقة، فالطريقة التي يتعامل بها النظام مع التنظيمات المتطرفة وحاضنتها الاجتماعية لابد وأن تؤدي إلى تأجيج العنف وليس كبحه، إذا قمنا قراءة بسيطة لتاريخ هذه التنظيمات يظهر أن بعضها مبتدأ نشأ بشكل عفوي بعد مرحلة 3 يوليو الشهيرة معظم أفرادها لاموا الانقلاب وقرروا التغيير بطريقتهم وهم ينتمون إلى شباب مهمش كل همهم القيام بضجيج ما حتى ولو بطريقة خاطئة لرفع الظلم الواقع، هذه التنظيمات ظهرت في المدن الكبرى وهناك تركز نشاطها وهي لم تقم بأي عمليات نوعية تذكر ماعدا إظهار رسائل تهديدية على مواقع التواصل الاجتماعي وتنفيذ هجمات تقترب كثيرا من تصنيف الشغب .

من جهة ثانية توجد تنظيمات أعلى من ناحية القدرات أهمها تنظيم أنصار بيت المقدس الذي قدم مبايعته لداعش أو ما تسمي نفسها الآن الدولة الإسلامية، هذا التنظيم ازداد شراسة في الآونة الأخيرة لسببين أساسين: أولا استهداف الجيش المدنيين في عمليات عشوائية من خلال تدمير بيوتهم وترحيلهم وما إلى ذلك، والثاني الإجراءات الداعمة لإسرائيل والخانقة للفلسطينيين إذ يكفي أن توصم حركة حماس وذراعها العسكري بالإرهاب، إضافة إلى التعاون الأمني مع إسرائيل بشكل كثيف وباقي الإجراءات مثل تعويم الأنفاق بضخ مياه البحر فيها، ساهم السبب الأول في تعاطف القبائل مع التنظيم والتستر عليه وتوفير غطاء له ودعمه، والثاني في شرعنة استهداف الجيش المصري الذي أصبح مدعوا في أدبيات هؤلاء "بجيش كامب ديفيد" كناية عن اتفاق السلام مع إسرائيل .

الأمور السابقة أدت إلى تكوين نزعات ثأرية عارمة لا يمكن التخلص منها بسهولة، هذا خاصة وأن المساحات الصحراوية لجزيرة شبه سيناء لا يمكن تأمينها بشكل جيد ببساطة، في الوقت الذي تدعي فيه السلطات أن لديها خططاً لقلب المعادلة من خلال مدخل التنمية، لكن الجميع يعلم أن هذا الكلام يجانب الحقيقة فالتنمية مطلوبة ولكنها ذات مسار طويل قبل أن تظهر آثارها بشكل مباشر على حياة هؤلاء إضافة إلى أنها ليست كافية لشراء ولاء القبائل التي استهدفتها واعتدت عليها سابقا، في أثناء ذلك التنظيم يعيث فسادا واستطاع الوصول إلى المدن الكبرى المحصنة سابقا مثل القاهرة والإسكندرية ، وآخر لمساته المدمرة حادثة الطائرة الروسية التي لم تمر مرور الكرام .

الجانب الثاني للمشكلة يتمثل في حالة الإنكار المزمنة التي تعاني منها السلطات المصرية اذ يتم الترويج لمقولة أنه تم القضاء على الإرهاب بشكل كبير في حين أن كل المؤشرات تدل على العكس، فبعد حادثة الطائرة الروسية تم تبني فرضية أن ما حدث كان نتيجة خطأ تقني وحسب، وربما الجهات الرسمية المصرية كانت ستستمر في التمسك بهذه الرواية لولا الإحراج الذي تلقته من الرواية المضادة التي طرحتها كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية المستندة على معلومات استخباراتية، وهو ما أدى بالسلطات إلى الانفتاح على مضض على كل السيناريوهات المتوقعة، حدث نفس الأمر بعد اغتيال النائب العام الذي تضاربت فيه الروايات الرسمية بشأن تفاصيل وملابسات الحادثة، وعندما تم وضع إجراءات للتعامل مع الاغتيال تم استثمارها سياسياً كالعادة لزيادة بسط النفوذ وتكميم المعارضين .

لكن ليس من المتوقع أن تنجح هذه السياسة كل مرة، إذ اتضح من البداية أن مصر ستدفع ثمنا باهظا لوحدها هذه المرة سيلقى بظله على السلطة، فبعد حادثة الطائرة أوقفت عدد من الدول رحلاتها إلى شرم الشيخ، وكما ظهر مما فعلته بريطانيا دون مجاملة أن سلامة مواطنيها أهم من إقامة علاقات جيدة مع مصر، حيث بادرت إلى تعليق الرحلات إلى شرم الشيخ كإجراء احترازي، وتعد بريطانيا الدولة الثانية من حيث عدد السياح الذين يتوجهون إلى مصر بعد روسيا إذ يبلغون زهاء مليون سائح سنويا، لهذا السبب بدت حريصة طيلة الفترة السابقة على الإجراءات الأمنية المصرية ومدى فاعليتها وجدواها في حماية السياح سواء في المطارات أو الأماكن الأخرى .

وإذا انتقلنا إلى موضوع الديمقراطية في مصر، فلا داعي للإطناب في التفاصيل فالكل يعلم أنه تم القضاء على مقومات الاختلاف و التنوع في الحياة السياسية وتم تشويهها بشكل كبير باستخدام ترسانة من القوانين مثل قانون التظاهر ومكافحة الإرهاب والإعلام الموالي، وظهرت عدة أمور سلبية على غرار الاختفاء القسري والاعتقال العشوائي للنشطاء، وربما ما حدث في الانتخابات البرلمانية الأخيرة يختصر الكثير مما يمكن أن يفعله جو مماثل في تحطيم أي مظاهر لحياة سياسية محترمة .

كل هذه أخبار سيئة وليس من المتوقع أن تظهر بوادر تغيير قريباً خاصة مع استمرار القناعات نفسها ففاقد الشيء لا يعطيه، لهذا تحتاج السلطة في مصر إلى من يهمس لها أن الأمور إذا استمرت بهذا الشكل فسيكون القادم أسوأ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.