المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيمان عجينة  Headshot

الأنتلِّجنسيا اللبنانية ومتلازمة النأي بِالنَّفْس

تم النشر: تم التحديث:

إيمان عجينه/ كاتبة وباحثة إعلامية
أن نعتقد أنفسنا غير معنيّين بالرّد على اتهام الإسلام بالإرهاب لأنه شأنٌ ديني يعود لأهل الاختصاص من " رجال الدين"؛ اعتقاد شائع.
وأن نقرأ كتابًا للمفكّر الفرنسي روجيه غارودي بعنوان " le terrorisme occidentale" بعد أحداث ١١ سبتمبر وفي ذروة صعود تنظيم "القاعدة"، ينفي بالأدلّة هذا الاتهام عن الإسلام ويكشف جذور الإرهاب الثقافي والسياسي والاجتماعي بالعودة إلى ثلاثة آلاف سنة وصولاً إلى واقع الغرب المعاصر؛ أمر يستدعي التوقّف عنده.

أن نكون صحافيين نتعامل مع قضايا الساعة ببُعد تحليلي، ونقتفي أثر أهمّ الكتب في كل المجالات لتوسيع دائرة المعرفة إلا في المنبع بحجة أنها كتب دينية، فهذه حقيقة ثابتة.
وأن نعلم بصحفيّةٍ بريطانية اسمها إيڤون ريدلي، عُرفت بعدائها الشديد للإسلام ، تقرأ كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب- الذي أعدمه نظام عبد الناصر لأنه "مكفّراتي"- لتخوض بعدها مناظرات إعلاميّة دفاعًا عن قضايا الإسلام والمسلمين، فهذه حالة تستوقف كلّ من يعرفها.

أن يغالي الإعلام اللبناني في إبراز "متديّنين" لا يحملون من الإسلام إلا العنوان وفي فقههم ضمور وفي فكرهم خلل، ليناقشوا في الشبهات ويحاضروا بالدِّين وينثروا فتاوى على رؤوس الناس؛ واقعٌ رتيب .
وأن نشهد في الإعلام الغربي استضافة رضا أصلان وحمزة يوسف ومهدي حسن وميشال أونفري ومارك إدوارد ناب وغيرهم من الشخصيات الأدبية والإعلامية والدعوية والأكاديمية التي تخوض نزالاً فكريًا شبه يومي بما لديها من ملكات التعبير ونسق الأسلوب وقوّة الحجة، لتقدّم الصورة الصحيحة للإسلام رغم كل الضغوط والمضايقات التي تتعرّض لها؛ مشهد يدعونا لرثاء إعلامنا وافتقاد مثقّفينا .

أن تهزّنا جريمة "شرف" أو اغتصاب، أو يؤلمنا خبر زواج قاصر أو زواج بالإكراه أو إرغام فتاة على ارتداء نِقاب أو "حجاب"، فنحوّل الخبر من قضية اجتماعية مُلازمة لبيئة محدّدة تعيش وفقًا لعادات الجماعة والعشيرة والحيّ، إلى قضية رأي عام مشبوهة تشهِّر بالديانات وتسخط على الإسلام ومعتقداته "البالية"، فهذه صورة نمطية .
وأن يرتفع معدل جرائم القتل والاغتصاب بشكلٍ لافت في أكثر من ثلاثين ولاية أميركية- بلد التحرّر والانفتاح- في السنوات الأخيرة بسبب الانتشار الجنوني لتجارة الدعارة والمخدرات والأسلحة بين عصابات الشوارع، وتجنّد قوات حفظ الأمن بمختلف أنواعها كل الإمكانيات البشرية والمادية والإحصائية بمساندة أجهزة الاعلام لمحاربة النزعة الإجرامية المتنامية... أمر لا يعنينا البتة .

يعيش الاعلام اللبناني واقعًا مأزومًا حيث تفيض شاشات التلفزة بالتجاوزات والافتراءات التي لا تتّسع لها هذه العجالة الصحفية القصيرة . تشدّ الرحال الى حيث تريد، تنقّب في التاريخ من وجهة فكرية غارقة في الجهل، ثم تقدّم للجمهور شخصيات موبوءة ذهنيًّا تتبنّى مفاهيم دينية مشوّهة في محاولة لتخدير المُشاهد إلى حد الاستسلام والتسليم بأن ما يُعرَض أمامه يمثل الحقيقة المكنونة.

ولا تقع مسؤولية ما آلت إليه الأمور على القنوات التلفزيونية فحسب، بل ان إشكاليةً كبرى يواجهها المجتمع اللبناني تتجسّد في "متلازمة النأي بِالنَّفْس" لدى الأنتلِّجنسيا من الأكاديميين والصحفيين والمفكّرين، التي تؤمن بهذه القيم وتتميّز بثقافة إسلامية-علمية معاصرة، لكنها تنأى بنفسها عن لعب الدور القيادي في تشكيل ثقافة المجتمع وتوعيته وتصحيح مسار الرّدّ على الشبهات المُثارة حول الاسلام وفقًا لاختصاص كلٍّ منها.

ويعود السّبب لأمرين:
الأول، مفهوم " رجال الدين"؛ وهو من أخطر المفاهيم الغربية التي دُسّت في مجتمعاتنا. فالإسلام ليس فيه رجال دين ورجال دنيا ، بل أنّ كّل مَن يعتقد بالاسلام هو مسلم مسؤول أمام دينه من الموقع الذي يشغله. ولم يأتِ القرآن على ذِكْر هذا المفهوم في أي موضع ، وإنما أورد مصطلحَين: "العلماء" و"الفقهاء" في قول الله تعالى: " إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ"(فاطر:٢٨) ، و"ليتفقهوا في الدين"(التوبة:١٢٢).

هذا اللغط في فهم المصطلحات أشكلَ على النُّخَب اللبنانية حتى أسقطت المسؤولية عن نفسها، ولو كان درء الشبهات حكرًا على فقهاء الدين لما اقتحم هذا المجال من رؤيةٍ بعيدة أشخاصٌ كموريس بوكاي وروجيه چارودي وچاري ميلير وإنچريد ماتسون وجيفري لانچ وآنا فرانسيس بومونت ومارتن لينچز وغيرهم من علماء الطب والهندسة والرياضيات والفلسفة والفكر في الغرب.

الأمر الثاني يتمثل بوُهام نظرة الآخر؛ فالتركيبة المجتمعية التعددية المميّزة في لبنان تُظلَم كثيرًا حين يخلع البعض بإسمِها عباءة الانتماء الديني بحجة التعايش وقبول الآخر ، رغم التفاخر المفرِط بالانتماءين السياسي والحزبي حيث تتناسَل كل أزماتنا الوطنية. ويكمن السبب في أن الدين - كما يُنظر إليه - موروث تراكمي عقائدي مُعلَّب غير قابل للتغيير والتطوير ولا يتواءم والحداثة ولا مكان فيه للصيرورة ، فيصبح لزامًا على من يفكّر بهذا المنطق أن يحيّده - وربما يتجاهله- عن المحيط الاجتماعي والمهني الذي يعيش فيه .

لذا ندور حول أنفسنا ونعيد الطحن بالهواء حين نكرّر، مع كل واقعة شاذة، مطالبة علماء الدين بتجديد الخطاب الديني وبإعادة قراءة نصوص الفقه الإسلامي وفق أسس ومناهج جديدة، في حين أن هذه النصوص أُكِلَت بحثًا واستفاض علماء الغرب والشرق في التشريح "والتمليح"، والمهتمّ سيكتشف حجم الدراسات الحديثة والغنيّة المعدّة في هذا الصدد.

ولأن درء الفتنة أولى من جَلب المصلحة، فإننا نحتاج لصدمة إيجابية تصحّح الشطط الحاصل على مستوى الإعلام والتديّن المغشوش . وحدها النّخب المثقفة قادرة على إحداث هذه الصدمة ولعب الدور الجوهري، علّنا نشهد رضا أصلان لبناني على شاشاتنا.