المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عماد الشمري Headshot

المغول الجدد وخراب جامعة الموصل

تم النشر: تم التحديث:

منذ سقوط مدينة الموصل في يد تنظيم داعش، ومع بداية القصف للمدينة منذ عامين ونصف العام، ومع انطلاق عمليات تحرير الموصل، لم يبقَ في المدينة أي بنية تحتية ذات أهمية تذكر، فأغلبها دُمّرت وأصبحت أثراً بعد عين، بعدما كانت شامخة عامرة بالحياة والعطاء؛ إذ صدم أهلَ الموصل والعالم مشاهدُ الخراب والحرق والدمار الذي طال كل المؤسسات التعليمية، بعد السيطرة عليها من قِبل القوات الأمنية نتيجة المعارك الدائرة فيها، وقُبيل اقتراب القوات الأمنية منها، أقدمَ عناصر داعش على تفخيخ وحرق بنايات الكليات والمكتبة المركزية التي تعتبر من كبرى المكتبات بالشرق الأوسط؛ إذ بات ذاك أطلالاً، وتعتبر جامعة الموصل الصرح العلمي الرصين الأول في العراق، وأهم الجامعات ومراكز الأبحاث في الشرق الأوسط، منذ ما يزيد على النصف قرن، وكذلك كليات ومعاهد هيئة التعليم التقني العريقة.

ولكن كان لهم النصيب الأكبر من القصف المركز، وبقنابل وصواريخ شديدة الانفجار والتدمير، طالت الكثير من أبنيتهم وكلياتهم ومعالمهم، وأبرز ما استهدف بعدة صواريخ، تلك البناية الحديثة الإنشاء ذات الشكل المعماري الأنيق والجميل، أحد صروح ومعالم مدينة الموصل المعروفة، وهي بناية "رئاسة جامعة الموصل"، فقد جُعلت ركاماً وخراباً كأن لم تَغنَ بالأمس.

فبعد سيطرة تنظيم الدولة "داعش" على مدينة الموصل واحتلالها، في مؤامرة مكشوفة من قِبل عدة أطراف معروفة، وانسحاب الجيش والقوات الأمنية العراقية منها، بكافة تشكيلاتها التي تزيد على خمسين ألف مقاتل، أمام بضع مئات من مسلحي التنظيم، تُركت المدينة وأهلها لمصير مجهول مظلم.

عمد تنظيم الدولة إلى تدمير جامعة الموصل وباقي المؤسسات التعليمية، شيئاً فشيئاً، وذلك بتحويلها إلى ثكنة عسكرية لمسلحيه، الذين يوجدون بأعداد كبيرة داخل الحرم الجامعي، كمضافات لهم ولذويهم، وجعل مختبراتها العلمية وورشها الفنية كمصانع للعبوات والقنابل، وحول باحاتها والساحات إلى أماكن تجميع الغنائم التي صادرها من أصحابها بحجج واهية كثيرة، وكذلك جعل متنزهاتها وحدائقها مراعي للمواشي المسروقة.

ومن جرائمه التي لا يوصف جرمها بحق العلم والإنسان ومدينة الموصل، إقدامه على حرق وإتلاف الكثير من الكتب والمجلدات والدوريات والمجلات العلمية ورسائل الدكتوراه والماجستير والبحوث والمخطوطات العلمية وغيرها، في مكتبة جامعة الموصل الكبيرة ومكتبات الكليات بفروعها العلمية والأدبية والمكتبة المركزية في الموصل والمكتبات في الكليات التقنية ومكتبة المعهد التقني في الموصل ونينوى ومعهد الفنون الجميلة وغيرها بحجّة مخالفتها للشرع.

فيما أعلن التنظيم، في بيان له، من قِبل ديوان التعليم الخاص به، إلغاء الكليات والأقسام غير الشرعية، وهي: كليات الحقوق والعلوم السياسية، والفنون الجميلة، والآثار والتربية الرياضية، وقسم الفلسفة، وقسم إدارة المؤسسات السياحية والفندقية، وكذلك إلغاء عدد من المواد العلمية هي: الديمقراطية، والثقافة، والحريات والحقوق، والرواية والمسرحية لأقسام اللغة الإنكليزية والفرنسية والترجمة، وعدم وضع أسئلة خاصة بالفوائد الربوية أو مبادئ الوطنية أو العراقية أو الوقائع التاريخية المزيفة، أو التقسيمات الجغرافية التي تخالف الشريعة الإسلامية.

وهدد الأساتذة والموظفين الممتنعين عن الالتحاق بالدوام بالقصاص، كما صادر أملاك ودور الأساتذة والموظفين الجامعيين الذين هربوا من الموصل بعد احتلالها من قِبله، خشية البطش بهم.

ووجَّه بفصل الذكور عن الإناث، كما حدد كليات خاصة بالذكور وأخرى بالإناث؛ مما أدى إلى عزوف الطلبة عن الدوام وتوقّف الدراسة فيها، وضياع مستقبل عشرات الآلاف من الطلبة الجامعيين وطلبة الدراسات العليا.

كل هذا حدث تحت أنظار المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمؤسسات الإعلامية الدولية والمحلية ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني واليونسكو وغيرها.

وطال أيضاً قصفُ التحالف الدولي باقي مؤسسات التعليم، كالكليات والمعاهد التقنية، وكذلك جامعة نينوى والحمدانية وتلعفر، وخرجت عن الخدمة، فقد دمرت العملية التعليمية في مدينة الموصل خلال أكثر من عامين ونصف العام عن بكرة أبيها؛ إذ بعد ما جرى للمؤسسات العلمية من خراب ودمار، كم من الوقت والأموال والجهد تحتاج العملية التعليمية ﻹعادة الحياة لها كما كانت في سابق عهدها.
إذاً تحتاج هذه المؤسسات إلى الاهتمام الدولي والتكفل بإعادة بنائها كما كانت قبل دخول تتار العصر داعش، وإيجاد حلول للطلبة الذين توقفت دراستهم ثلاث سنوات؛ كي يستأنفوا بناء مستقبلهم الذي دمَّرته الحرب.

تعد جامعة الموصل إحدى أعرق الجامعات في العراق، فقد تأسست عام 1967، وتضمّ العديد من الكليات ذات التخصصات المختلفة العلمية والأدبية والهندسية والطبية، وكلية الطب هي أقدم كلياتها، يلتحق بها سنوياً ما يزيد على الثلاثين ألفاً من الطلبة.

بينما تأسس المعهد التقني عام 1976، ويضم الأقسام الإدارية والطبية والتكنولوجية والزراعية، وافتتحت الكلية التقنية عام 1993، في مدينة الموصل - ثاني أكبر مدينة عراقية - واحتلها التنظيم الإرهابي داعش في يونيو/حزيران 2014، ولا تزال تحت سيطرته، وفي السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2016 انطلقت عمليات تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش، وبعد ثلاثة أشهر من القتال تمت السيطرة على أغلب الساحل الأيسر لمدينة الموصل بجهود القوات الأمنية العراقية ودعم التحالف الدولي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.