المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إلهام الطالبي Headshot

علينا بالثورة ضد النخب المزيفة

تم النشر: تم التحديث:

قبل سنوات كنت أظن أن المغرب يختزل في مجتمعي المصغر بالجامعة، وأن الأفكار قادرة على تغيير الكثير، آمنت بوجود شيء اسمه نضال لتحقيق التغيير، وأن الصراخ والعاطفة والشعارات قد تكفي لاختصار المسافة نحو رهانات شباب حالم، كنت أظن أن النقاشات والإشكالات العميقة التي كانت تطرح داخل مدرجات الجامعة تعبر عن قضايا الوطن وعن من يسكنون في أعالي الجبال.

توالت السنوات وتخرجت في الجامعة أحمل معي توجهاتي وأحلامي ورصيدي من معلومات ظننتها كافية لفهم المجتمع المغربي، لا سيما أنني خريجة شعبة علم الاجتماع.

اضطرتني الظروف إلى الاشتغال في مجال الدراسات الميدانية، شأني كشأن باقي طلبة هذه الشعبة التي تنتمي إلى شُعب العلوم الإنسانية، المغضوب عليها والمهمَّشة من طرف سوق الشغل.

لم أتخلَّ حينها عن آمالي بقدرة نظريات علم الاجتماع ومحاضرات أساتذتي في الجامعة على فهم طبيعة المجتمع الذي أنتمي إليه، لكن سرعان ما تغيَّر ذلك بعد تجربة العمل الميداني، أدركت حينها أن الكتب التي كان يصدرها الأساتذة سنوياً في الجامعة ومحاضراتهم وحتى خطابهم كانت بعيدة عن واقع مجتمعي.


هذا ما اكتشفته بعد ما أتاح لي عملي فرصة السفر إلى مدن نائية، تعرفت خلالها على مجتمع آخر لم أشاهده يوماً في تلفاز، ولم أقرأ عنه في الكتب، ولم اسمع أساتذتي يتحدثون عنه، فخطابات الثالوث المحرم كانت طاغية بشكل كبير على منهاج علم الاجتماع.

غير أنني هناك في دواوير الحوز، فقيه بن صالح، ميدلت، سيدي سليمان، ولاد برحيل، دوار شويات نواحي صويرة، دكالة وعبدة، خنيفرة.. تعرفت على مجتمع بعيد عن عالم السياسة والثقافة، مستقل عن كل شيء، يعيش الحياة لحظة بلحظة، قد يسعد هناك الفرد بخبر هطول المطر، وقد يغضبه رفضك قبول دعوته لدخول بيته.

هذا الإنسان المغربي الذي يعيش بمعزل عما نعيش، يفكر في تدبير شؤون حياته ويصنع من لا شيء شيئاً، بيوت بسيطة وأحلام أبسط، تضامن اجتماعي أقوى من نظريات دوركايم، ربما هم لم يلتهموا الكتب ولم يناقشوا أطروحات الدكتوراه في أهم الجامعات في العالم، لكنهم يتحلون بشيم نادراً ما تجدها في عالم "المثقفين".

أدركت حينها وأنا أحمل استماراتي، وأجول ربوع المملكة من شمال المغرب إلى جنوبه طيلة سنتين أن كل شيء تعلمته في الجامعة لا يساوي شيئاً أمام دردشتي مع رجل بسيط أو امرأة مسنة، فهناك الفرد يشاركك تجاربه، ويحكي لك عن همومه وأفراحه بعفوية، أما في مدرجات الجامعة فالأستاذ يحكي لك عن كتبه وثمنها في السوق وتوجهاته، وكيف يرى المجتمع المغربي من زاويته.

أستحضر هذه اللحظات خلال هذه الفترة، وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لأناس يتحدثون بلسان المغاربة في قضية حراك الريف، لقد أصبحوا يفقهون في كل شيء، ويمارسون نضالات من منازلهم المكيفة، للأسف هؤلاء الأشخاص الذين يدعون الثقافة ويزيدون من الطين بلة هم أنفسهم الذين يتخلون عن شابة تتعرض للسرقة في الشارع؛ لذلك أظن أن التنظير غير كافٍ في هذه الأوقات الحرجة؛ لأننا ينبغي أن ندرك طبيعة مجتمعنا أولاً والوعي الاجتماعي السائد في دولة يعاني أزيد من 32 بالمائة من سكانها الأمية.

عوضاً عن الصراخ بصوت مرتفع وتأجيج الوضع، وركوب على أحداث تعبر عن مطالب اجتماعية مشروعة لمغاربة من حقهم أن يحتجوا حتى تتحقق مطالبهم، لكن ليس من حق البعض استغلال أوضاعهم والمتاجرة بها.

وأمام هذه الأوضاع تتبادر إلى ذهني أسئلة عدة: لماذا لا يتطوع مَن يناضلون من الغرف المكيفة في العالم الافتراضي لتعليم الأميين في المغرب؟ لماذا لا نصلح ذواتنا أولاً ونكف عن الغش ونتحمل مسؤوليتنا أمام الدولة ومن بعد سنكون مواطنين قادرين على المطالبة بحقوقنا؟!

قد تقول عزيزي القارىء إن الدولة ينبغي أن تقوم بمهامها، ولكن أليس "أولاد شعب" عندما يتم توظيفهم في سلك التعليم هم مَن يساهمون في تكوين جيل الضباع على حد تعبير الراحل محمد جسوس.

وماذا عن أصغر موظف في جماعة أو مقاطعة ألا يتحايل على أبناء شعبه؟ وماذا عن الطبيب الذي لا يقوم بواجبه المهني أليس ابن لهذا الشعب؟

أدعوك عزيزي القارئ إلى ثورة من أسفل لنطيح بالفساد الذي يكمن داخل كل فرد فينا، لنثُر على الصحفي المأجور الذي يبيع قضية شعبه بمقابل مادي والضابط المرتشي.

إننا نحن من نشكل هذا الوطن، وأكيد أن ثورتنا ستغير الأجيال القادمة، وسنربح رهان بناء مجتمع أفضل دون مزايدات وركوب على مطالب اجتماعية لأبناء هذا البلد.


ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.