المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إلهام الطالبي Headshot

سيليا.. سجينة حصار الصمت

تم النشر: تم التحديث:

أفكر بالريف، أحس بالحنين، كما كنت أقول دائماً وأنا في قلب الاحتجاجات: الريف في دمي.. ليعلم الجميع أننا لم نفعل سوى المطالبة بحقوقنا العادلة والمشروعة، وأننا نخاف على وطننا أكثر من غيرنا.

خلف القضبان وفي حالة نفسية وجسدية صعبة تكتب سليمة الزياني "سيليا" هذه الرسالة لتعبّر عن إحساس شابّة شاركت في الاحتجاجات لتطالب بالحق في الصحة والتعليم والسكن وغيرها من المطالب المشروعة، غير أنها وجدت نفسها تواجه الاعتقال، وتواجه معه صمت الرأي العام المغربي والحقوقي وكل القطاعات النسائية والجمعوية الذين لم تحركهم قضيتها كقضية "فتاتي التنورة" في أنزكان التي كانت فرصة ليعربوا فيها عن رفضهم المس بالحريات الفردية، ويعبروا عن تضامنهم معهما عبر إيقاد الشموع، وتجنيد أكثر من 1200 محامٍ للدفاع عن "فتاتي التنورة".

لكن قضية "سيليا" لم تغرِ الحركات النسائية بالمغرب، وظلت صامتةً دون أن تبادر بإصدار بيان استنكاري، هنا لا مناص من طرح سؤال: هل يوجد تمييز مناطقي في تعاطي المنظمات النسائية مع شؤون المرأة؟ لأنها صدحت بصوتها عالياً معلنةً احتجاجها ليس لأجل وقفة لتبادل القُبلات أمام البرلمان، أو أنها تطالب بعدم الصوم علناً في رمضان، هي عبرت عن همومها الحياتية، وما تعانيه بنات جنسها من الإجحاف.. وصرخت لأجل الحق في العيش الكريم.

غير أن غناءها لم ينسجم مع جوقة الحركات النسائية المغربية التي تنتقي من تتضامن معهم جيداً، إن حالة سيليا الصحية المتدهورة في السجن لم تستأثر باهتمام مناضلاتنا، فهن يعتبرن أن المطالبة بالحق في العيش الكريم تنتمي إلى المرحلة البدائية في المغرب، متناسين أن الإنسان الذي لا يزال يكافح لأجل تأمين "طرف الخبز"، ويعاني من قلة جودة التعليم، وانتشار الأمية، لا يمكن أن يستوعب خطابهن المتجسد في "الحريات الفردية".

أعذريهن عزيزتي "سيليا" لقد اعتدن على إعادة إنتاج نفس الخطاب "الهيمة الذكورية وتسليع المرأة".. بينما أنت تحديت كل ذلك ووقفت بين الرجال تصرخين وترددين شعارات تنتمي إلى بيئتك، لم تستورديها من الملتقيات الدولية، لم يعِقك كونك امرأة من الخروج إلى الشارع والاحتجاج للدفاع عن قضية الإنسان المغربي، سواء كان امرأة أو رجلاً.

إن "سيليا" شابة مناضلة قد نختلف معها في آرائها، ولكن هذا لا يمنع من التضامن معها بغض النظر عما إذا كنا مع أو ضد الاحتجاجات، لا يمكن أن ننكر قوة شخصيتها وقدرتها على التعبير عن صوت المحتجين بالغناء، يكفي أن تشاهد مقاطع غنائها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تغني بصوت حزين، يتسلل داخلك حتى لو لم تكن تفهم معنى كلماتها الريفية، فهي صادقة في أحاسيسها، لا تتصنع أو تثير الجدل، لكي تستقطب أكبر عدد من المناصرين لها.

تُعري قضية "سيليا" حركاتنا النسائية التي بات النضال فيها مشروطاً، ولكي يتمتع الفرد بدعمهن عليه أن تتوافر فيه الشروط التالية: "الحرية الجنسية، واللباس، والمعتقد.."، أما بالنسبة لمن يفتقدون لهذه الشروط، فعليهن مواجهة مصيرهن لوحدهن، ولكن إذا كنا مثلاً كبطلة "الزين لفيك"، قد يحظين بدعم فرنسي، ويتحولن إلى مادة دسمة في الإعلام الفرنسي لمناقشة التابوهات في المجتمع المغربي، ومناسبة لوصف المغرب بالبلد المتخلف الذي لا يعترف بالحرية الجنسية.

لكن ابنة الريف خرجت عن نمط المألوف للنضال لتعبر عن هموم المواطن المغربي بصوت غنائي صادق، لتواجه بذلك الاعتقال بمفردها، هي لا تنتظر حركاتنا النسائية للدفاع عنها؛ لأنها اختارت أن تنادي الوطن بصوتها الحزين، قائلة: "آهٍ لو يعلم الوطن كم نخاف عليه.. أحبكم".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.