المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابتسام نور الهدى  Headshot

ازرع بالكتابة أملاً في نفسك

تم النشر: تم التحديث:

لماذا نكتب؟

ما الذي تُضيفه الكتابة إلى حياتنا؟ وهل تُغيّرنا الكتابة حقاً؟

أنا لم تكن بدايتي مع الكتابة منذ الصغر، "كان الإنشاء درساً مملاً جداً بالنسبة لي، ولذلك كانت علاماتي ضعيفة في هذه المادة"، أضحك عندما أتذكر أن أكبر علامة أخذتها في الإنشاء كانت حول وصف صُرصُور! إلى الآن لا أدري كيف وصفته دون تقزُزٍ!

في البداية، كنت أكتب لألقي شيئاً من الحمل على الورق.. لأستريح.. أعجبتني التجربة، فكررتها. بعدها تغير الدافع فأصبحت "أكتب عندما أعجز عن إيجادِ تفسيرٍ لأشياء كثيرة حولي، علني أفهم لماذا يفعل الناس تلك الأمور لبعضهم البعض".. ولماذا أفعلها أنا بالذات.

لغتي في الكتابة بسيطة جداً؛ لأنني في غالب الأحيان أكتب لأخاطب ذاتي فقط، في الكتابة أنا في حضرة نفسي.. لا رسميات ولا بروتوكولات تقديم واستضافة.. مني إليَّ.

كتبت ولا أزال "أكتب لأواجه نفسي بي"، "لأترجم نفسي لنفسي".. "لأتعرف إليّ أكثر".. بشتاتي.. بضعفي وتناقضاتي.. "لأرتب بعثرة حياتي وأمنحها الاتساق والمعنى".

أكتب حتى أستطيع أن أرى نفسي بوضوح، لأستخلص معاني أعمق أتمسك بها في أقسى أيامي.

كلنا لدينا مشاكل في حياتنا، وكلنا مررنا بأزمات.. آلام ومخاوف أيضاً.. هذا أمر مفروغ منه، لكن الاختلاف يكمن في طريقة تعامل كل واحد فينا مع هذه المتغيرات، وما مدى وعينا بها وكيفية مواجهتها.

شخصياً عندما أواجه مشكلة ما وحتى قبل مناقشتها مع شخص آخر، أكتبها.. أحاول أن أحللها.. تماماً مثلما يفعل الرياضي مع المعادلات. لأني أعرف أنه عندما أكتب أستطيع أن أرى المشكلة من زوايا مختلفة، أراها في شكل ثلاثي الأبعاد.. فتكون لي حرية التصرف والتحكم فيها كيفما أشاء.

لا تستغربوا، نعم مثل الرياضيات.. الطريقة أخذتها عن أستاذة لي في الثانوي عندما كانت تعطينا دالّة لحلها، ولا نعرف حتى الخطوة الأولى لفك تشفيرها.. فتقول لنا "اكتبوا.. ابدؤوا في الكتابة وستصلون إلى الحل بالتدريج".

فعلاً، الكتابة تُكسبك منظور مختلف.. يتغير بها شيء ما، وتجد الحل.

لعلَّ هذا أجمل ما فيها، تُريك طرق وخيارات لم تكن تعلم بوجودها أصلا في البداية.

لا أنكر أنها مؤلمة أحياناً.. "كالجرح المفتوح الذي لا يكف عن التجدد في روحه، تغترف الألم منه في كل مرة".

وفي أحيانٍ أخرى تكون كما لو أنك تضع نفسك تحت المجهر.. وعليك أن تحضر نفسك جيداً لما قد تجده داخلك.. لأنها ستريك كل شيء على حقيقته وما وراء حقيقته.

هذه المواجهة لن تكون سارّة بالتأكيد، لكنها تجعلك شخصاً أفضل.. شخصاً أقوى.

تغيرت أشياء كثيرة فيَّ بعد الكتابة، يستحيلُ أن يبقى الإنسان ذاتَه بعد أن يكتُب، أُؤمِن بذلك.

طبعاً تختلف دوافع كل شخص فينا اتجاه الكتابة. لكنّ الحياة حرب استنزافٍ.. نفقد أشياء كثيرة منّا خلال الطريق.. ونصل إلى مرحلة نفقد فيها توازننا.. نشتاق لأنفسنا.. بالرغم من أن بعض الخسارات قد تكون ضرورية وحتمية، لكن سنحاول أن نتذكر كيف كنا.. ولا نستطيع.

جرب أن تكتب، لَملِم بالكتابة شتاتك.. أقم بها مواعيد مع نفسك.. اكتب عن أشياء أرهقك التفكير فيها دون جدوى ولم تجد حلاً لها.

جرب، لن تخسر شيئاً. سيبدو لك الأمر سخيفاً في بدايته، وتقول في نفسك ماذا عساني أكتب؟! وربما يكون وقع الألم عليك أشد من أن تكتب عنه.

لكن جرب.. أغظ ذاك الحزن داخلك، ثرثر.. ولو مع ورقة.

وَثِّقْ للتاريخ لحظات فرحك.. آمالك.. أحلامك.. أهدافك مهما كانت.
اكتب..

كم أحببت.. كم أنجزت.. كم صديقاً حقيقياً امتلكت..
كم حاولت.. كم تعثرت.. كم تعلمت..
كم أسعدت من حولك.. وكم أسعدوك..
كم شخصاً تغيّر بسببك.. وكم تغيّرت أنت حقاً.
ازرع بالكتابة أملاً في نفسك وإن كان كُل ما حولك يُوحي بِغير ذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.