المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.إبراهيم اليماني Headshot

على حافّة الشّتات!

تم النشر: تم التحديث:

أكتُب إليّ وإليكم وإليهم وإلى الأيّام وإلى الأحياء والأموات!!
أكتب إلى كُل من مات فأمات، وكل من أمات فمات!!

نعم.. كُل من ماتَ يوم كان آخرَ عهدي بالحُريّة، من مات بين يدَيّ ولم أستطِع إسعافه، ومَن مات على مرمى من بصرِي، ومن مات من خلفي، ومن سالت دماؤه وتأوّه واستغاث بي ثم لفظ آخر أنفاسه، كلهم، كُل من مُتنا من بعدهم على كوننا أحياء!!
نعم.. كل من قَتل يومها وحرقَ وسعى في الأرواح بالفساد، كُل من قَتلنا وتفاخر وامتلأ فخراً وعُجباً!!

أكتب إليهم.. ولا أدري أيصل المكتوب أم يُكتب عليه السجن كما صاحبِه، لكن على أيّ حال لن يضير استغلال بعض من الحبر بعد أن أوشك على الانتهاء!

على حافّة الشّتات أُلقِي بنا يوم الفضّ ومع غروب ذلك اليوم كانت قدماي قد أُدميتا وعجزت عن المُضيّ أو الرجوع.
صوت البكاء والصُراخ ورائحة الغاز المنبعثة من كل مكان والمختلطة برائحة الموت والدماء، وأنينُ المستغيثين بي أن أُنقذهم، وآهات الجرحى والمصابين، ودَويّ الرصاص وطلقاتُ الرشاشات.
على الحافّة أُلقِي بي، ومن حينها ما زِلتُ هُناك.

ذاكرة الأمس القريب تستعصي على النسيان بكل ما فيها..

بأسماء الشهداء التي كنت أعجزُ عن إحصائها، بأنين المستغيثين الذين عجزت عن إسعافهم، بآهات الفتيات وصرخاتهن، بمشاهد الجثث التي تملأ المكان عن آخِره، وأخيراً بمشاهد الصدور الممزقة والقلوب المتفجرة والعقول المتناثرة بجانب الرؤوس الخاوية.

ذاكرة الأمس القريب تستعصي على النسيان بكل ما فيها..

بصوت الجنازير، وآلام الضرب المُبرح، ومشهد دخول السجن، والسب والقذف واللعن والإهانة، والحبس الانفرادي، والإذلال والتنكيل والاستعباد والتعذيب، وارتجاج جسدي وانتفاضه إثر الصعق بالكهرباء، وآهات من استخرجتُ الرصاص من أجسادهم وخيّطتُ جراحهم بلا استخدام لأدنى أنواع التخدير، وصرخات من عُذبوا بمواضع إصاباتهم ومن كُسّرت أقدامهم وأيديهم، وقهر الرجال، وقهر الرجال، وقهر الرجال.


ذاكرة الأمس القريب تستعصي على النسيان بكُل ما فيها..

إضرابي عن الطعام، وتعذيبي بشكلٍ ممنهج، وإذلالي المتعمد وإجباري على فكّ الإضراب بشتّى الوسائل، ثم بعد أن شارفتُ على الموت ولم أجد من سجّاني سوى التشَفِّي ومزيد من التعذيب أقدمتُ على هدنة كي لا أفقد حياتي مجهزاً نفسي لجولة أُخرى، فعاودت المُضيّ قُدماً في إضراب آخر (طويل جداً..) رغم آلام الضعف والإنهاك ووقع كلمات السجّانين ومأموري السجن، وإمعانهم في التنكيل والتعذيب والسب والقذف واللعن والتهديد بالقتل.

ذاكرة الأمس القريب تستعصي على النسيان بكل ما فيها..

يوم أن فقدتُ وعيي بسبب ضعف جسدي وهزالِه جرّاء إضرابي الطويل عن الطعام، فقدتُ وعيي ساقطاً على الماء المغلي مصعوقاً بالأسلاك العارية التي تملأ الزنزانة عن آخرها، فاجتاحت جسدي الحُروق والكدمات..

يوم أن انتُزِعت روحي بانتزاع الملابس الملتصقة باللحم المحروق من جسدي، وصرخاتُ استغاثة من معي بالزنزانة بأن "إبراهيم بيموت!"، وآهاتي المصحوبة بـ "يا الله.. يا الله!!"، ونطقي بالشهادتين، والكثير والكثير والكثير.

ها هي الأيام تعود، والذكريات تتجدد، وما زال الحال على ما هو عليه.
" محبوس احتياطيّاً على ذِمّة القضية"!
ويبقى السؤال يجول بخاطري: هل لفظ "الاحتياطيّ" عائد على الشهور والسنوات؟!
وهل هُناك "قضية" تؤجل جلساتها لمدة جاوزت ثلاث سنوات بلا تقديم أو تأخير؟!
ثم السؤال الأهم: هل للقضية "ذِمّة"؟ وهل للقائمين على الحكم عليها ذِمّة أو أمانة أو حتى عدل؟!
وكيف يكون والواحد منهم ينام هانئاً في بيته وقد حكم على بريء بالنوم في زنزانة لا آدميّة إلى أجل غير مُسمّى؟!

وما خفي كان أدهى وأَمرّ وأعظم، بَيْدَ أن للهَولِ أحكامه.

فيا وطني..
أعد شفتِي..
لعلَ الهول يُسعِفني..
بأن أُعطيكَ تصويراً لأهوالِك..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.