المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم سليمان  Headshot

وقاحة أم إرهاب دموي؟

تم النشر: تم التحديث:

المجازر الطائفية التي تشهدها بعض المدن العراقية بين فترة وأخرى، والتي تقوم بها الميليشيات الشيعية، والتي يتجاوز عددها حالياً في العراق أكثر من خمسين ميليشيا والتي كانت اللبنة الأساسية لتشكيل ما عُرف بالحشد الشعبي، الذي تأسس بمباركة فتوى الجهاد الكفائي للمرجع السيستاني من أجل الدفاع عن العراق، العديد من تلك الميليشيات تتبع بعض الأحزاب والتيارات الدينية الشيعية التي تشكل وتتحكم في المشهد السياسي العراقي اليوم، بعد الغزو الأميركي للعراق، لتنفيذ مخططات القتل والتدمير"الفوضى القتالة" في المنطقة العربية لإشغالها بنفسها بعيداً عن العدو.

هنا يجب أن نضع علامة استفهام عن سبب استثناء المجتمع الدولي لتلك الميليشيات من قوائم المنظمات الإرهابية، وسبب إحجام وسائل الإعلام، وبالأخص العربية منها عن هذا الوصف، بالرغم من أن تلك المنظمات تفاخر علناً وتقوم بتصوير وتوثيق ونشر جرائمها ضد المدنيين الأبرياء، مثلما تفعل "داعش" في إصدارتها المرئية، والتي تتفوق بها "داعش" في هذا المجال، وتتساوى معها في الإجرام.

جرائم تلك الميليشيات التي تتم بشكل ممنهج ومخطط له سلفاً من أجل التغيير الديموغرافي في العراق، تخطت في استهدافها الشعب العراقي وطالت أشخاص من دول اخرى مثل اختطاف مجموعة من المواطنيين القطريين والأتراك، والمستغرب أن ذلك يحصل أمام مرأى ومسمع دول العالم والمنظمات الدولية، وأمام الحكومة العراقية التي عجزت عن مواجهة تلك الميليشيات الإرهابية القادرة، حتى على منع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري من الدخول إلى ديالى.

والسؤال المطروح هو.. في صالح مَن أن لا يتم ضم تلك الميليشيات لقائمة المنظمات الإرهابية؟ وأن لا يتم التعاطي الإعلامي معها في وسائل الإعلام العربي والعالمي، بصفتها تلك التي استحقتها عن جدارة، والاكتفاء بدل ذلك بإطلاق مصطلحات مظللة عليها، من قبيل الميليشيات الوقحة أو المنفلته، وعدم توصيف تلك الميليشيات في وسائل الإعلام بما تمارسه فعلاً على أرض الواقع؟ فمتى كان يتم وصف الذبح والحرق ضد المدنيين الأبرياء وتقطيع أجزاء من جسد الإنسان وهو حي بالوقاحة؟ وليس بالقتل السادي والإرهاب.

فالوقاحة فعلاً هي سكوت الدول والمنظمات الدولية، ووسائل الإعلام عن تلك الجرائم، مما يشجع ويعزز المخططات الشيطانية، التي لا تريد بالعراق والمنطقة خيراً، بل تهدف لتدمير بنية المجتمع العراقي القائمة أصلاً على التنوع المذهبي والقومي، والتي قدمت للعالم حضارة عريقة عبر التاريخ كان عمادها التنوع الاجتماعي، التي تحاول قوى الشيطان الآن أن تجتثها من العراق؛ ليحل محلها سفك الدماء وتمزيق بنية ونسيج المجتمع العراقي، عن طريق قوى الظلام ومن ضمنها الميليشيات الطائفية التي تقوم بهذا الدور المرسوم لها، مع شريكتها "داعش".

فعلى وسائل الإعلام أن لا تكيل بمكيالين، فالقتل يبقى قتلاً والوقاحة شيء آخر، والضحية في النهاية هو الشعب العراقي بجميع فئاته الواقعة بين فكي كماشة التطرف والتعصب المذهبي، تلك الكماشة التي جلبت الويلات للعراق وأدت إلى تزايد عمليات القتل والتهجير والنزوح، ناهيك عن تردي الأوضاع المعيشية وانعدام الحد الأدنى من مقومات الحياة لشعب كان ينعم بدرجة متقدمة من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، باعتراف المنظمات العالمية.

إن إطلاق يد الإرهاب المتمثل في الميليشيات الطائفية والمنظمات التكفيرية، عبارة عن مخطط يعمل على إفراغ المجتمع العراقي، من هويته الجامعة لكل مكوناته، التي عاشت دوماً في وحدة وطنية متماسكة، وللأسف يبدو أن هذا المخطط الشرير نجح إلى حد بعيد في جعل جزء من الشعب العراقي، يتخندق وراء مذهبة وقوميتة، كخطوة ضرورية لإرغامه على تقبل فكرة أن الحل والخلاص تأتي من خلال عملية تقسيم العراق، إلى أقاليم سنية، وشيعية، وكردية، إلا أن هذا المخطط يواجه معارضة ورفضاً، ومقاومة شديدة، من قِبل شريحة كبيرة من الوطنيين العراقيين، الرافضين لمبدأ تقسيم العراق تحت أي مبرر، ولولا ذلك لكان قد تم تقسيم العراق منذ مدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.