المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 إبراهيم سرحان Headshot

لماذا أصابتني عُقدة من سناب شات في السفر؟

تم النشر: تم التحديث:

قبل ثلاث سنوات ونصف بدأت أزيح المزيد من الغبار عن رغبة إنسانية أصيلة في التجول والاستكشاف، ابتعتُ سيارة، فأدرت دفتها إلى الجنوب الشرقي، أتجاوز النقاط الحدودية بنشوة بعد أن تطابقت الهوية، لأول مرة، مع رخصة السير.. سلوى.. البطحاء.. رأس الدارة.. حتى وصلت لمضيق هرمز في سلطنة عمان.

لا أنسى ما كنت أشعر به صغيراً بين جبال مكة السوداء، أستقبل الشمس بصعود تل أو جبل، وأتبسم حين لا أجد أثراً لإنسان في أعلاه.

بعد أشهرٍ من الوظيفة، حين اجتمع لدي ما يمكن أن أفيض به على غير الأساسيات، ابتعتُ تذاكرَ غير قابلة للاسترجاع، وسافرت إلى كينيا وحيداً.

التبت، ساوتومي وبرينسب، الآزور، البيرو، بوليفيا، الإكوادور، كوبا، الدانمارك، الفارو، بنما، النرويج، فنلدنا، أذربيجان، إستونيا، النيبال، قيرغيزستان، كوريا، بولندا، أوغندا، إيرلندا.. حتى اجتمع لدي من أسماء الدول ما أستطيع أن أسرده بالسجع دون تكلف.

لدي موقع متواضع، وتقارير قرأها عشرات الآلاف، وأماكن من الأرض وضعتها لأول مرة في المحتوى العربي.

جواز متخم بالتأشيرات وأصدقاء من مشارق الأرض ومغاربها، على الإيميل رسالة محبة من شرق أفريقيا، ورسالة من غربها، ومن بوليفيا، ومذكرة صوتية من بيشكيك، وتحية أريد أن أبعث بها إلى ابن طبيبة إكوادورية اعتنت بي جريحاً بعد منتصف الليل في القلاباقوس.

جربت ملاحقة الغوريلات، السقوط على أشنات، الفرار من لص متربص، الإغماء من نقص أكسجين، النوم في بلاد لا تغيب عنها الشمس، الضياع في غابة استوائية، التسمم أكثر من مرة، وغير ذلك مما يطول سرده.

لم أستخدم يوماً لفظ "رحّالة" لا تلميحاً ولا تصريحاً، تغريدة تصفني بها أشكر صاحبها ولا أعيد نشرها، وأتحفّظ على ألفاظ أخرى كثيرة. اتصل بي أحدهم قبل أيام ليستفسر عن أحد البلدان، وقال: معاك الرحّال فلان بن فلان! تبيّن لي بعد ذلك أنه سافر إلى سيريلانكا مرتين.

دخل على هذا المجال من يفسد فيه، ولا أقول من ليس منه، لا أملك حق إخراج أحد. أصبح السفر (أو الترحال كما يزعمون) آخر ما تبنّاه متتبعو الموضات، وطريقة جديدة للاستعراض والتميلح، وانتقل مرضى الشهرة من أدعياء القراءة والعمل التطوعي واقتباسات روايات مدارك إلى المطارات الدولية!

يصل أحدهم وجهته بسماعات وحقيبة ممتلئة شواحن، ويبحث عن الإنترنت متوتراً حتى يصوّر لمتابعيه شِدقَهُ ومِحجره وصدغيه قبل أن يضطّر للحلّاق مرة أخرى، ثم يرينا أطراف الدولارات في محفظته، وحمام الفندق، ويتبسّم كالحصان.

وتنتقل الكاميرا إلى الشارع ليتحدث كالمذياع عن العملة والأسعار والمطاعم وكل ما يهم السياح العابرين، يزور المتاحف، لا يحبها، لكن لتغطيتها، وينهرُ أصحابه في كل مرة ليكمل تسجيل سناباته دون تدخل أصوات أخرى.

آسف على الانقطاع، نسمعها منه مرتين في كل يوم، وكأنه موظف يتقاضى أجره من العدسة الأمامية للآيفون.

لقد صنع هؤلاء وأمثالهم جمهوراً هُلامياً، لا طَعم له ولا لون ولا رائحة، مهووساً بالمظاهر، كالغول النَّهم، يأكل مما يُلقى إليه ولا يشبع، جمهور يريد أن يعرف مصروفاتك ومأكولاتك ومشروباتك، أن تخطط له، وتفكر بالنيابة عنه، وتخبره بسعر التذكرة، والخطوط، وصرف العملة، وحالة الطقس، وما يصلح له وما لا يصلح، لذلك دائماً أقول: كن بديلاً عن جوجل وسيتضاعف متابعوك.

والجواب على عنوان المقال، لماذا أصابتني عقدة من سنابشات في السفر؟

الجواب: حتى لا يضعني أحدٌ في الخانة أعلاه.

وللحديث بقية..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.