المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم محمد الشرقاوي Headshot

نساء تونس أدرى بشِعابها

تم النشر: تم التحديث:

كعادتها، تواصل تونس اتحافنا بخطواتها السبّاقة وسعيها الحثيث نحو إحراز تقدم فيما يتعلق بحقوق المرأة والمساواة المنشودة في الواجبات والحقوق، فقد دعا منذ أيام الرئيس التونسي باجي قايد السبسي إلى بعض المراجعات والتعديلات القانونية التي من شأنها تكريس المساواة بين الرجل والمرأة، والتي كان أبرزها المساواة بين الجنسين في الميراث، والسماح للمرأة المسلمة بالزواج من غير المسلم، الأمر الذي أثار حفيظة قطاع عريض من المحافظين داخل التيار الإسلامي، داخل تونس وخارجها على حد سواء.

ولعلي أوافق من يرى أن مرام السبسي من تلك التعديلات ليس رغبةً أصيلة في تمكين المرأة والسعي نحو مساواة حقيقية، وإنما كان الحافز الرئيسي سياسياً بالمقام الأول، وهو استقطاب الأصوات النسائية ومحاولة استعادة شيء من الشعبية التي فقدها السبسي وحزبه في الفترة الأخيرة، وربما يرجح هذا الظن تزامن موعد هذه التصريحات مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية المزمع انعقادها بعد أشهر قليلة، كما أن الانتخابات التشريعية والرئاسية ليست ببعيدة هي الأخرى.

ولا يسعني بهذا الصدد إلا أن أعبّر عن إعجابي الشديد بنساء تونس اللواتي فرضن أنفسهن كقوة فاعلة -ذات دور لا يمكن إغفاله- تجبر السلطة السياسية على أخذ مشكلاتها بعين الاعتبار والمبادرة نحو تحقيق مزيد من التمكين والمساواة.

ولكم نأمل أن تمتد تلك الجذوة التحررية التي أشعلها نساء تونس -بانتزاعهن قدراً من حقوقهن- إلى جيرانها من المجتمعات العربية التي "تُمنَح" فيها المرأة قدراً ضئيلاً من حقوقها البدهية تكرماً وهبةً وليس أصالةً استحقاقاً.

ولم يكن مفاجئاً الموقف الرافض الذي تبناه التيار الإسلامي المحافظ داخل تونس وخارجها وعلى رأسهم -كعادتها- مؤسسة الأزهر. وقد أبدت مسوغات ذلك الرفض مدى الانفصال عن الواقع والجمود في قراءة وفهم وتحليل النص الديني وغياب النظرة الكلية والمقصدية لأحكام الدين الذي يعانيه التيار المحافظ. ولعل أكثر ما يسبب حرجاً لذلك التيار عن نظيره "السلفي/ المتشدد" هو أن الأخير لا يرهق نفسه بالتشدق باحترامه لحقوق الإنسان، ولا يتخذ من التيسير والوسطية عنواناً وشعاراً لدعوته، كما أنه لا يلهث وراء التقارب مع التيارات الليبرالية بل يرفضهم كليةً من حيث المبدأ، لذا فلا يجد حرجاً في رفض تلك التعديلات وغيرها دون أن يتكلف عناء التسويغ والتبرير، فيكفي أن يصرّح: أرفض هذه التعديلات لأنها تخالف فهمي -الذي يراه حقاً مطلقاً بالطبع- للنص الديني.

أما ذلك التيار "الوسطي" الذي ما ينفك عن محاولة تصدير نفسه كداعم للوسطية والتمدن مع الحفاظ على ذات الأصول الرجعية المحافظة بين طيات مناهجه وخطابه الداخلي داخل الأروقة -شديد التناقض مع خطابه المصدّر إعلامياً- فيعاني بين الفينة والفينة حرجاً كهذا حين يتعذر عليه اتخاذ المواقف المائعة والتي من شأنها إرضاء شتى التيارات المختلفة.

ويحاول ذلك التيار -حيال دفاعه عن منظومة الإرث بتشريعاتها الشائعة- تصوير أنها لا تنافي المساواة بين الجنسين مدللاً على ذلك بأن ثمة حالات يربو نصيب الأنثى فيها على الذكر، مغفلاً أن العلة في تلك الحالات تكمن في درجة القرابة من المتوفى خلافاً للحالات التي يفوق فيها نصيبُ الذكر نصيبَ الأنثى التي تساويه في درجة القرابة، لا لشيء سوى الاختلاف في الجنس، فمن الجلي أن القياس هنا فاسدٌ لأنه قياسٌ مع الفارق. والذي دفعنا إلى الاعتقاد بانفصال ذلك التيار عن الواقع أنه إذ يبرر تلك التشريعات المنتقصة من حق المرأة يعتمد في تأييده على أن الرجل يعول المرأة، وكأن المرأة جملة ناقصة لا تكتمل إلا بوجود رجل له "قوامة" عليها، تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه فهو المُنفِق المُطاع.

ولن أغرق في الحديث عن الإحصاءات التي توضح أن نسبة عمل المرأة في تزايد مستمر، وأن -في مصر على سبيل المثال- قرابة 50% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن من 15 عاماً إلى 60 عاماً نساء عاملات حسب المصادر الرسمية، ولا يخفى على أحد كم النساء العاملات غير المقيدات بشكل رسمي، ولو نزل أصحابنا من بروجهم العاجية وألقوا نظرة على الواقع الذي نحياه ورأوا كم من الكادحات تعُلن أنفسهن بل وأسرهن في كثير من الأحيان، لما لجأوا إلى افتراض كون المرأة نصف كائن عاجز ناقص الأهلية، ذلك الافتراض الذي تنبع منه شتى قناعات ذلك التيار المتعلقة بحقوق المرأة.

فإن كان الحال هكذا، وأصبحت المرأة قادرة على الكسب وإعالة نفسها وغيرها، وإن كان الزمان قد تغير وبلغت المرأة في شتى بقاع العالم -باستثناء مجتمعات الدول غير المتقدمة- مكانةً رفيعةً واعتلت مناصب قيادية وأثبتت فيها نجاحاً خيّب ظنون العقليات الرجعية، فلمَ التشبث بتلك التشريعات التي تمنح للرجل امتيازات مادية ربما كانت مبررة بعض الشيء في زمانها؟!
واعتماداً على ذات النظرة الانتقاصية للمرأة يواصل المحافظون "الوسطيون" دفاعهم عن منع المرأة المسلمة من الزواج من غير المسلم، فانطلاقاً من النظرة الاستعلائية للذكر على الأنثى وقوامته عليها يفترض المحافظون أن للزوج سلطةً على أفعال زوجته، ومن ثمّ فبيده منعها أو السماح لها بممارسة شعائرها الدينية، وانطلاقاً من هذه القناعة يرون أن الزوج غير المسلم ليس أهلاً "للمودة والرحمة التي هي المقصد من الزواج" حسب تعبيرهم، وأنه ربما لا يسمح للمرأة المسلمة بممارسة شعائرها خلافاً للرجل المسلم الذي يأمره دينه بالسماح لزوجته الكتابية بممارسة شعائرها، وكأننا ما زلنا نعيش في مجتمع قبلي تخضع فيه حقوق المرأة لتكرّم زوجها وتتحدد حريتها بما تسمح به معتقدات زوجها الدينية.

ولست أدري إن كانت طبيعة المجتمع المعاصر أن المرأة قادرة على الكسب وتعول نفسها بالفعل، وأن للمرأة قدراً من الحرية يخولها ممارسة شعائرها دون الخضوع إلى رغبة الزوج وكرم أخلاقه، علماً بأنه يعلم بداهةً أنها على غير دينه، وأن لها شعائرَ دينية مختلفة من قبل الزواج، إن كانت هذه هي الحال، وذلك هو الواقع الذي وصلت إليه المرأة دون الحاجة إلى تكرم هؤلاء المحافظين بتكريمهم المجوّف للمرأة، فلمَ الإصرار على استنساخ تشريعات اختصت بزمانٍ ما وظروفٍ اقتصادية واجتماعيةٍ ما لنرغم أنفسنا على تطبيقها بما تتضمن من ظلم وانتقاص لأبسط حقوق المرأة الإنسانية البدهية؟!

بالطبع ليس خافياً عنّي غرابة هذا الطرح الآنف ونفور قطاع عريض من بني مجتمعي -ذي النظرة الذكورية المُعتَمَّة بعمامة الدين-، كما أني أدرك تمام الإدراك بأن تلك النظرة الرجعية الذكورية ليست مقتصرة على الرجال فحسب، بل كلنا نعلم أن ثمة العديد من النساء يتبنّين النظرة ذاتها التي غرسها ورسخها المجتمع في وجدانها، غير أنني أرى ما يدعو للتفاؤل إزاء ما تشهده المرأة العربية من ازديادٍ وتنامٍ في الوعي، ربما كان ما تفعله نساء تونس مجرد قطرة ينهمر بعدها غيثٌ وفيرٌ.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.