المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابراهيم الهادي عيسى Headshot

العاهرات الشريفات والعرب الأتباع

تم النشر: تم التحديث:

"إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر أن نغير المدافعين، لا أن نغير القضية" غسان كنفاني.

لا جدوى للحديث ما دام الأمر بيد العرب، فتبعيتهم فاقت الخيال، حتى إنهم إذا رأوا طفلاً يمسك بحجر أمام مدفع ودبابة وجنود مجندة، اتهموه بالإرهاب، لا لشيء إلا لأنه عربي ابن عربي، كُتب عليه العيش في الأرض المقدسة.

إن ما جعلني أملأ الوجود ضحكاً أن ممثلة إباحية لها أصول عربية -كما يقال- مثلت فيلماً مع ممثل إباحي مبتدئ يشق طريقه في ذلك المجال كاداً كادحاً من أجل أن يصل إلى مكانة عالية، وإذ بها قد أُعلمت من بعد أن ذلك الممثل المبتدئ إنما هو إسرائيلي صهيوني.. فما كان منها إلا أنها فزعت إلى الاعتذار لجمهورها العربي والعالمي، وقالت حينما سُئلت عن ذلك -حسب ما تناقلته العديد من مواقع الأنباء- إنها لم تكن تعرف ذلك الشخص الذي مثلت معه الفيلم، وما رأته من قبل، وقد كان يتلفظ بلهجة غريبة ظنته من دولة آسيوية، وإن ذلك عار يظل يلاحقها هي وأسرتها إلى حين، وإنها نادمة لأنها قدمت بعض المتعة لشخص مثل هذا!

فحينما نعلم أن عاهرة تضرب نفسها بالحذاء؛ لأنها كانت في فيلم "بورنو" مع ممثل إسرائيلي صهيوني، وأنها تشعر بالعار يلاحقها من كل فج عميق هي وعائلتها لفعلتها تلك وليس لامتهانها البورنو أو هوايتها له، فوارِ سوءة العرب في التراب واتلُ عليهم "الفاتحة".

وذلك شبيه أيضاً بمشهد العاهرة في فيلم "السفارة في العمارة"، حينما أتى بها "شريف" ودخل العمارة مجتازاً الحواجز الأمنية محيياً ضابط الحراسة -خفيف الظل- بتحيةٍ، فحياه الضابط بأحسن منها، تكاد تنخلع عيناه من مكانهما على فتاة الليل التي يصطحبها "شريف"، راجياً أن ينتقل إلى "بوليس الآداب"، حتى يرى ما لا عين رأت.. ووصل "شريف" شقته المجاورة للسفارة الإسرائيلية ومعه فتاته التي أخفى عنها أمر سكنه بجانب السفارة.

وعلى صعيد آخر، كانت جماعةٌ ما تُعد صاروخاً لتفجير السفارة يطلقونه عليها من مكان بعيد.. ولسوء حظ "شريف" الذي لم يبتدئ ليلته الحمراء بعد؛ أن أصاب الصاروخ شقته فجعل عاليَها سافلَها، وخرّ عليهما -هو والعاهرة- السقف من فوقهما، وحينما تدخلت القوات الأمنية بسرعة البرق، وتردد لفظ السفارة على لسان ضابط الحراسة، تساءلت العاهرة ببلاهة الأطفال: سفارة إيه دي يا أخويا؟ فيرد عليها "شريف": السفارة الإسرائيلية، فتخبط على فخذيها مولولة وكأن قتيلاً قد قتل لها: انت ساكن جنب السفارة الإسرائيلية يا كلب يا خاين؟؟ وهنا تنفجر في وجهه صارخة ليست أقل كفاءة من الصاروخ الذي انفجر في شقته منذ قليل، وتلقي له بالخمسمائة درهم (عَرَقها) في وجهه كالعبيد: آه يا واطي.. خد فلوسك أهيه مش عاوزاها.. انت ما تستحقش تبقى مصري أصلاً.

فتلك العاهرة ذات الموقف الوطني والإنساني لم ترتضِ أن تكتسب مليماً حراماِ من خائن لبلده مثل "شريف" الذي ارتضى بالبقاء في عمارة بها السفارة الإسرائيلية، بل ردت إليه ماله؛ فقد تبين لها الأمر، وهي لا تقبل لنفسها قرشاً حراماً أتى بصداقة من يقتلون أبناءنا ويذيقون رجالنا مرارة السجن ويهتكون عرض بناتنا.

فإن كان العرب -في مواقفهم- كمثل هاتين العاهرتين سالفتَي الذكر؛ لتغير الأمر واستوى ميزانه، غير أنهم ركنوا إلى الدعة لا يقدمون ولا يؤخرون، واتسع الخرق على الراتق؛ حتى غدوا يقيمون مع عدوهم الصداقات ويجافون إخوانهم، وعدوهم يحيك لهم بخبث الضغائن حتى تنازعوا ففشلوا وذهبت ريحهم.. فلا ريب أن العاهرات ينضحنَ شرفاً.

قُتل صدام حسين -رحمه الله- في يوم عيد على أعين الغزاة المحتلين وبرعايتهم، ومر الأمر على العرب كنسيم هواء أو كبعوضة عابرة، ولكن العجب أن صدَّام كانت له مقولة دائمة يرددها: "اعرف عدوك قبل أن يعرف نفسه!"، فهل تكاسل صدام في معرفة عدوه؟ أم أنه كان كسائر العرب غافلاً أو خائفاً أو غير مبالٍ؟ أم أنه تولاه مارد (البارانويا) فحجب عنه حقائق الأمور؟

المهم.. أن العرب لم يحركوا ساكناً، غير تحريك فريق ألسنتهم بسؤال الرحمة للرجل وذكر محاسنه، أو الإطناب في لعنه وسبّه من فئة أخرى، بينما طائفة ثالثة كانوا فرحين بفتح المحتل مرحبين ومقسمين "والله لينضفونا"!

إذا كان سوط التبعية قد أخذ النفوس وأسر السياسات، فلا عجب أن يتهم بالإرهاب صاحب الحق ويعادى، وأن يحتفى بالمغتصب القاتل، ولا غضاضة في أن تحترق كالشمعة لتنير لهم السبل بينما أهل وطنك يتخبطون في ظلمات القرون الوسطى.

إن خطر الأمر لا يكون بدعوى سلام أو تطبيع، فذلك أمر لا أحسن حكماً فيه وما أعلم به صغيرة أو كبيرة..

الخطر في خضوع أخذ برقابنا وظل قابضاً عليها حتى هلكنا أو كدنا، الخطر هو الذل الذي لحق بنا ونحن أهل الدار وأصحابها، الخطر ساكن في كل أمر نأتمره منهم ونوقعه على أكمل وجه، الخطر جاثم على صدورنا لا نستطيع معه حراكاً، وأخطر الخطر قائم في التبعية التي ابتدعناها ليست على مثال سابق، ويا له من مثال بلغ من السوء والدمامة والقرف مبلغاً تعيا الألسنة عن وصفه، ويعجز العداد عن عده، وتتولى العقول السقيمة كبره.

ربما كان عز النفوس في حين مضى واندثر منذ زمن بعيد قبل (نهائي اليورو)، أو المؤتمر الذي عقد على مرأى ومسمع من تمثال (تيودور هرتزل) مؤسس الصهيونية، أو تثبيت صاري علم فئة غاصبة على أرضنا مرفرفاً في سمائنا، أو قبل الاعتراف -في سابقة من نوعها- بدولة محتلة.

من قبل كانت النفوس عزيزة، وكانت الأفكار ساطعة في التحرر، وكانت الأفعال دليلاً على الكرامة.. لكنها ذهبت ولم تعُد.

فهذا زمان العاهرات الشريفات والعرب الأتباع!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.