المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابراهيم الهادي عيسى Headshot

أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. في اليوم العالمي للغة العربية

تم النشر: تم التحديث:

حادت الشمس ناحية المغرب مستأذنة للمغيب بعدما نثرت شعاعها ولهيبها على كل ناحية غير آبهة لنباتات لم تتم بناءها الضوئي، ولا لطيور لم تركن إلى أعشاشها، ولا لحيوانات ما زالت تكدح في الحقول، ولا لأنفس بشرية تشرع في إنهاء أعمالها قبل جنون الليل.

ذهبت ولم يبق من آثارها إلا ضوء شحيح يزداد شحّه ثانية بعد أخرى.

خرجت أنظر إلى الزروع المشرقة، والطيور الآيبة، والحيوانات المستغيثة، والنفوس المتعجلة.

أبصرت في طريقي امرأة تكاد تكبر خطوة النملة خطواتها، عليها ثياب رقاق قد تهلهلت، تتكئ على عصا لها قد سئمت الأرضة من الأخذ منها، يستخف الناس بها لرقة حالها، وينظرون لها كأنها الجذام أو الطاعون، بيد أنها -مع وهن خطواتها ورقة حالها- تمشي عزيزة النفس لا تأبه لجهل جاهل، ولا تلتفت لسخرية ساخر، وما حادت عن السبيل ترجو نوالاً من أحد.

فتبعتها وهي سائرة بخطواتها الواهنة -على عجل مني- فألفيتها فتاة جميلة كأنها سيدة حور الجنة، يتلعلع الضياء من وجهها فحسبته القمر، لها من الكمال الخلقي ما لا يجعلك ترى من بعدها أحداً، وذهلت بما تملك من لآلئ ثمينة قد تحلت بها، وزينة عظيمة زادتها على جمالها جمالاً وروعة، وكدت أجن لما رأيت الكنز المتواري معها -وهي على حالتها تلك- وكنت أظنها عجوزاً ذات فاقة.. هيهات.

فتعلقت بأذيالها مناشداً إياها، وسألت عن حالها، وما بلغ بها مع ما لها من المظهر والغنى.

فقالت، ودموع الأسى في مقلتيها الجميلتين، بعدما احمر وجهها خجلاً، وارتعشت أناملها ذعراً، وأصبح ما تنطق به البكاء والأنين أقرب منه إلى الصوت:
- "لقد كنت سيدة قوم كرام، استرقوا بروحي رقاب الأنام، ودانت لهم الأمم العظام.. لكنهم -مع حوادث الأمور- باعوني بالزهيد، ورغبوا -كما يقال- فيما هو جديد.. ولم يأبهوا بما لي من كنز باهر، وجمال وافر، وشباب ساحر.. فكانوا كمن طلب جزيل العطاء من البخيل، أو الصحة من العليل، فانقلب بهم الحال من العزة إلى أسفل سافلين...".

فقلت لها:
- "من أنت يرحمك الله؟.. ومن هم قومك الذين فرطوا في كنزهم المكنون؟".

قالت، بعدما سكتت لحين وكأنها لا تريد أن تتكلم.. غير أنها تكلمت على استحياء بما لم أود سماعه:
- "أنا اللغة العربية.. وقومي هم العرب".

فأحسست بضيق في صدري وخور في قواي، ولم تعد قدماي تتحملان ذلك الجسد الواهن، ولم أستطع النطق بحرف واحد لمواساتها في مصيبتها، فما أنا إلا امرؤ من العرب.

مسحت على صدري ورأسي فشعرت ببردها بفؤادي ولبي وقالت:
- "لعلكم تتفكرون".

ثم انطلقت تحدو سيرها بأبيات لشاعر النيل حافظ إبراهيم:
أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة ** وكم عز أقوام بعز لغاتِ
رموني بعقم في الشباب وليتي ** عقمت فلم أجزع لقول عداتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم ** إلى لغة لم تتصل برواةِ؟
أنا البحر في أحشائه الدر كامن ** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.