المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابراهيم الهادي عيسى Headshot

في رثاء فنان

تم النشر: تم التحديث:

كتب محمود درويش في رثاء العظيم غسان كنفاني قصيدة: "في رثاء بركان".

رحم الله المحمودين وغسان، عليهما صلواتنا في عليين.

إنّ عود "الشيخ حسني" بألحانه الوارفة.. بعدما قضم الشيخ قطعة حشيش وامتصها برفق كأنما يرتشف منها ترياق الحياة الأبدية، ثم وضعها على لهب الحجر المتأجج حتى يجازيها جزاء ما تفعله بعقله وعقول الرجال القائمين معه في تلك البقعة المعبقة بأريج الصنف الغالي.. وافتتح بسحب نفسين عليلَين على أعماق نفوخه الذي تذكر صديق والده الوفي الذي طالما أسدى إليه النصح بعد النصح، فترك الجوزة سائلاً له الرحمة:

- الله يرحمك يا عم مجاهد.

وغدا العود متمتعاً بألحانه الزاهية التي تغنى على أصدائها "مزاجنجي" صاحب الصوت الأجش الذي أحاله الحشيش آية في الجمال والروعة بآذان السامعين.

- يا حلو بانت لبّتك ** أول ما دابت قشرتك

تحرم عليا محبّتك ** وراح أتوب عن سكّتك

وتولى "المعلم، عبد الملك زرزور" دفة الجوزة مثل "القبطان"، مكتئباً، ناعياً حظه الذكر مع تلك الفتاة التي أذهبت بلبه، وزلزلت كيانه، وقوضت بناء جبروته، ذاكراً إياهاً، متمتماً:

- "الإنسان دعييييف.. الإنسان دعييييييف" قدام صنف الحريم.

أخذوا يتناوبون الجوزة فيما بينهم بالقسطاس المستقيم؛ إذ إن "قانون الصهبجية" يقضي بالعدل ويحتم عليه ويجعله أساسَ كل شيء.

وبينما هم كذلك، في عالم علوي لا ترقى إليه الماديات الفارهة.. ولا الحكايات التافهة.. ولا النفوس الكارهة، دخل عليهم "محفوظ زلطة"، آتياً من "باب الخلق" إلى "الكيت كات"، راجياً شهود ذلك الحدث العلي، مسلّماً، ملتقماً ليّ الجوزة قبل أن يُتم سلامه واستواءه في جلسته، متندراً على حال البلد والسياسة والإعلام، داعياً بالخلاص، فقد طفح الكيل.

جاء مستفيقاً! متدنياً عن قوم هم في الأعالي.. ثملى.. فجعل عاليها سافلها، فهو لم ينَل حظه -بعد- من المزاج.

بيد أن "شركس بيه" قال بحدة:

-هو إيه؟؟.. أي كلام.. "سمك لبن تمر هندي"؟.. البلد حلوة وزي الفل.. وآآآ..

فقطع "محمود المصري" الحديث غاضباً:

- كفاية بقى ضحك على الدقون وتزوير في الواقع.. ده كأنه "تزوير في أوراق رسمية" بالظبط.. إحنا خلاص جبنا آخرنا.

وانبرى "رأفت الهجان":

- أنا ما كنتش بخدم البلد دي وباجري "جري الوحوش" عشان تبقى بالشكل اللي هيا فيه ده.. أنا كنت بخدمها عشان تتقدم وتبقى صح.. وللأسف يوم بعد يوم بترجع 100 سنة لورا.. و"العار" والذل لبسنا.. ولّا إيه رأيك يا عم فرج؟!

فرد "فرج الفتوة":

- إنتو اللي بتشتكوا من الفرعون!.. مع إنكو إنتو اللي بتعملوه!.. وقال إيه يا فرعون إيش فرعنك.

وزاد "الساحر":

- إحنا اللي بنينا الصنم.. وإحنا اللي طلعنا "راس الغول" دي.. فوقوا.. إحنا أغلب من الغلب.. انخدعنا.. كلنا انخدعنا.. كل الشعب "البريء" ده انضحك عليه.. بس الشعب مات خلاص.. لازم نحيا من تاني.. لازم نصحا.. إيه هيعدمونا؟؟.. عادي.. ما هو هيبقى "إعدام ميت".. إحنا مش هنحيا إلا لما نخلص نفسنا.

اشتد الحديث توهجاً واشتعالاً، غير أن كل ذلك لم يجلب على الألسنة سباً أو استهزاء أو صلفاً، فآداب الحوار مراعى قدرها ومقدارها عند أصحاب "الكيف".

ودارت الجوزة دورتها مرات ومرات.. حتى علت الرؤوس والعمائم سحابة تبشر أن تفيض بغيث ينبت زهور الخشخاش غضة طرية، ترحم الميزانيات من أصناف "أبو هيبة" غالية الثمن، ويغسل النفوس واهباً إياها الحكمة.. مروضاً لها على الترفع عن الصغائر، ويلهم الألباب مخرجاً مما يحياه البلد من ظلم وتخلف واستبداد.

وهنا.. جاء "أبو كرتونة" لاهثاً كأنه منحدر من قمة "جبل الحلال"، متأرجحاً، على وجهه سيما حزن بيّن لحظها الجمع.. ثم قال بعدما استوى في مجلسه ببطء، غير طالب نصيبه من الأنفاس:

- محمود عبد العزيز.. مات.

تبددت السحابة المنذرة بالخير كأنها ما وجدت، وتوقفت العقول المتفكرة في المخارج، وخرست الألسنة المتكلمة، وتوقف الهواء عن إذكاء نار الحجر، وصمتت الآفاق عن ضوضائها، وتبخر جو المجلس في خواء السكون الذي أطبق عليهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.