المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابراهيم الهادي عيسى Headshot

"التعريض" يبني الأمم!

تم النشر: تم التحديث:

لا أستطيع الصمود كثيراً أمام برنامج تلفزيوني يَعرض الأكاذيب والافتراءات، ويُعَرِّضُ بعرضِ المخالف، ويَستعرضُ إنجازات -كما يقال- لا أثر لها، ويُعارضُ أي صوت يَتعارضُ مع القطيع.

تلك ظاهرة فريدة وجدت من قبل؛ فهي ليست حديثة عهد، إلا أنها بلغت أوجهاً في تلك الآونة؛ ناسفةً المنطق والعقلانية المحدودة واللامحدودة، مُنشئةً جيلاً قادراً على اختلاق الكذب من اللاشيء، واضعةً الموازين بأيدي القاسطين الساقطين.. وقد اجتمع الناس من قديمٍ على تسميتها بـ"التّعريض".

اعتدنا -نحن المصريين- في لهجتنا العامية أن نبدّل بعض الحروف من الكلمة بما يقاربها أو يجانسها من الحروف الأخرى مخرجاً وصفة؛ تسهيلاً لنطق الكلمة وتيسيراً على أنفسنا وإضفاءً لـ"تاتش المصريين" على الكلمات؛ إذ هم لا يدعون شيئاً على حاله.. فكلمة "ذَيْل" -مثلاً- تنطق بالعامية "ديل" بـ"الدال"، ووظيفة "ضابط" تقال باللهجة الدارجة "ظابط"، وثمرة "باذنجان" تُطهى وتُؤكل "باتنجان" أو "بادنجان"، وكلمات أخرى كثيرة لم تسلم من "فقاقة" المصريين.

ومن هنا كان تبديل الحروف بما يشاركها مخرجاً أو صفة، أمراً مألوفاً ومُتّبعاً منذ القرون الأولى، وعليه؛ فمن الممكن أن تلقى في أدبيات مصر الشعبية حرف "الضاد" من "التعريض" مُبدّلاً بهمز أو ميم أو عين.. أو "صاد"!..
ولكن دعنا نوردها كما هي بالضاد؛ استئناسا بـ"الضاد" و"لغة الضاد"، وَكُلُّ لَبِيْبٍ بِالِْإشَارَةِ يَفْهَمُ.

أعشق الغوص في بحور قواميس "البذاءات الشعبية" التي لا يبلغ منتهاها أعتى عتي وإن أفنى أضعافاً مضاعفة من عمره في ذلك، وقد أوضح المخضرمون رأيهم في معنى "التعريض" بكل بيان، غير أني سأنقل ما قالوه بتصرفٍ وأدبٍ شديدين؛ مراعاة لحياء أهل الحياء؛ فالحياء شعبة من الإيمان، واستمساكاً بالرمق الأخير من الحكمة الشعبية الشهيرة؛ "اللي عنده دم أحسن من اللي عنده فلوس"..

فقد نقل عن أهل الذكر؛ أن "المعرض" هو من يتستر على امرأة (ماشية على حل شعرها) لحاجة في نفسه قضاها أو لم يقضها ولمصلحة شريفة أو دنيئة، فنَخْلُصُ -ملمةً لأطراف الحديث- إلى أن "المعرض" هو من يطلق الناس عليه "قُرني"، فهو -مثلا- شخصية "محجوب عبد الدايم" في رواية "القاهرة الجديدة" للرائع "نجيب محفوظ"، وصارت الرواية فيلم "القاهرة 30" فيما بعد، أو شخصية "مسعود أبو السعد" في رواية "أرض النفاق" للمبدع "يوسف السباعي"، وأصبحت الرواية فيلماً باسمها بعد ذلك، وعلى هذا فَقِس..

إذن؛ فالناس يجعلون من "يطبل" للسلطة في كل صغيرة وكبيرة ساءت أو حسنت شخصاً "قُرَنِياً" أو "مَعَرّضَاً" ذكراً كان أو أنثى.

الأمر يوجب على الباحثين الجادين دراسات واسعة حتى يصلوا إلى كنهه وماهيته؛ إذ إن ذروته أصبحت على شاشات التلفزيون في برامج عرفت بأنها "معرضة" يقدمها أشخاص يعرفون بـ"المعرضين" تلقاهم يطمسون عقول الناس ويصبون بها الجهل صباً وينسخونها أو يُنسونها.

إن طبائع الأمور قضت أن لا يُثبط ذو العمل الجاد والجهد المتين والسعي المشكور.. غير أن المنطق يقضي أن لا يُحتفى بالفاشل الذي لا يقدم ولا يؤخر، والعقل يوجب على صاحبه إن رأى خللاً أو وهناً أن يحذر وينذر، وأهل الفكر لا يرتابون في لزوم الأخذ على يد من يُفرّط ويقتل ويسجن ويسحق.

ولكن طائفة المعرضين -القدماء منهم والجدد- آلوا على أنفسهم ألا يروا إلا ما أمروا به، وأقسموا أن يحيلوا الخبث حسناً والغباء ذكاءً والبلاهة فطنةً والفشل دهاءً!

هذه الطائفة العريضة من الـ"معرضين" دائماً ما تعزز آرائها ببركة أصحاب العمائم المنمقة واللحى المهذبة والوجوه النيرة؛ لئلا يخرج الأمر على قواعد الشرع والدين، واحتجاجاً بأصحاب الشهادة الأزهرية على صدق مسعاهم وإخلاص نياتهم، ولا بد من إنهاء اللقاء بدعاء الله -تعالى- أن يحفظ فرداً بذاته ولو كان مستبداً! وأن ينصر طائفة معينة وإن جار جنرالاتها! وأن يسدد خطى رجال آخرين بلغ ظلمهم الأذقان وألجمنا فسادهم إلجاماً! وأن يحفظ العدل بمن لا يقيمون له يومئذ وزناً!

وليذهب الشعب في ستين داهية!.. ولماذا الدواهي الستون؟.. كفى الشعب داهية واحدة، ولتبق التسعة وخمسون الأخرى لـ"مصر"، و"تحيا مصر" ثلاثاً.

من أراد الوصول فليس عليه ألا يسلك إلا سبيل الـ"تعريض" الخالص.. في بلد تحتفي بـ اللواء عبد العاطي صاحب (جهاز الكفتة) بينما تنبذ عصام حجي (بتاع ناسا)، في بلد تُعلي من قدر موسى ومجاهد وبكري وتنفي فوده وفضل وباسم، في بلد تطل على شاشاتها لميس الحديدي وسعيد حساسين وتمنع ريم ماجد ووائل قنديل.. و(ياما في الجراب يا حاوي)، وذلك يذكرني دائما بقول "عمنا؛ نجيب سرور" في قصيدة "**أميات":

"عرّض ونافق ودلّس وانحني توصل.. وتبقى بين يوم وليلة يا عرض نجم نجوم..". وعذرا لـ"عمنا؛ نجيب سرور" فأنا لم أنقل الأبيات صريحة كما قيلت.

ينتابني إلحاح من نفسي دائم بالضحك من حالنا وحياتنا والبكاء على الماضي وما آلت إليه الأمور، وما أظنني مجنوناً أو غير واعٍ؛ فقد تولى المتنبي إلحاح نفسي قديماً لما قال:
وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ الْمُضْحِكَا ... تِ وَلَكِنّهُ ضَحِكٌ كَالْبُكَا

يبقى "التعريض" هدّاما لبناء أمة وقعت في شراكهِ وظلت تُخدع بأقاويل ذويه، بينما لم تأبه لصرخات أبنائها المنذرين وما أوْلَتْهُم همًّا!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.