المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم العلبي Headshot

هذه مؤسسات الدولة السورية التي تحافظون عليها

تم النشر: تم التحديث:

عند كل منعطف ميداني ينتكس فيه نظام الأسد، وعند كل جهد سياسي دولي أو إقليمي لحل أزمة الحكم في سوريا، يجري الحديث عن ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة في إطار أي سيناريو يطيح ببشار الأسد، وتحت غطاء هذه "الضرورة" تمارس ضغوط أمريكية وغربية على الدول الإقليمية والجهات والفصائل السورية لعرقلة تقدم الثوار، والسعي لإجبارهم على الدخول في تسوية قائمة على الشراكة مع النظام حصرًا، وهذا المسعى بالمناسبة يتواصل منذ إعلان جنيف 2012 دون كلل أو ملل.

والشراكة المشار إليها في بيان جنيف تحت اسم "هيئة الحكم الانتقالي" المشكلة من النظام والمعارضة معًا، تعني بالضرورة منع استبداله بصورة كلية، حتى ولو تضمنت عملية الاستبدال هذه "الحفاظ على مؤسسات الدولة"، كالجيش والأجهزة الأمنية، وهي المعنى الوحيد لقولهم "مؤسسات الدولة"، ما يثبت قطعًا أن تلك الذريعة ليست سوى غطاء للتآمر على ثورة الشعب السوري ومطالبه بالحرية والكرامة والديمقراطية.

وبالرغم من ذلك، وعلى فرض "حسن النوايا" في طرح هذه الذريعة، تأتي مجزرة دوما ذات الـ130 شهيدًا، ويندى لها جبين المجتمع الدولي ومجلس الأمن، كأحدث جرائم الأسد الإرهابية المنظمة التي يرتكبها عبر ذات المؤسسات التي تشعر عواصم المجتمع "المتحضر" بالقلق عليها، لتطرح سؤالًا مهمًّا في هذا السياق، هل يعد الجيش بطائراته ودباباته والشرطة والأمن الدمويين، والمؤسسات المتوحشة على هذا النحو أهم وأغلى من دماء شعب لا زال ينزف منذ قمع الانتفاضة الأولى 1980، وقارب عداد ضحاياه من نصف مليون، وإنسانية لا زالت تمتهن منذ الإعلان عن انقلاب البعث عام 1963؟

يخشى البعض، وهو محق في خشيته، من اندلاع فوضى عارمة وتحفيز مشاريع التقسيم وصعود الولاءات الضيقة وقيام كانتونات متنافرة بعد انهيار الدولة ومؤسساتها، إذا تم اعتماد سيناريو إسقاط النظام بأي ثمن، على طريقة استئصال الورم الخبيث، فآل الأسد والدائرة الضيقة حولهم استطاعوا أن يخلقوا نوعًا من التماهي بينهم، كشبكة مهيمنة على مفاصل الحكم، وبين الدولة السورية "الحديثة"، كمؤسسات راسخة بنيت خلال فترة الاحتلال الفرنسي، ومن ثم فإن مطلب إسقاط الأسد والمافيا التي يستند عليها نظام حكمه يتطلب حتمًا إسقاط الدولة وتفتيت مؤسساتها، لا سيما تلك التي تمثل مفاصل القوة.

من المفيد ههنا مشاهدة الواقع السوري الحالي المتصل بقضية الدولة كما هو، إذ لا يحمل ما يمكن أن يفضل على الواقع المفترض، حال انهيار النظام، إلا قليلًا، بالنظر إلى أن المناطق الخاضعة للنظام صعدت فيها جماعات ومليشيات استطاعت بفضل ظروف الحرب وأجواء الاستنفار المزمن، وحاجة المافيا الحاكمة إليها بشدة، أن تفرض نفسها كند للدولة، وباتت تفرض أحكامها الخاصة وممارساتها التي تعد من اختصاص الدولة في مناطق نفوذها، كشبكات الشبيحة ومليشيا الدفاع الوطني، ومليشيات عراقية ولبنانية شيعية، وليس سليمان الأسد وقصة اعتقاله ثم إطلاق سراحه عنا ببعيد.

كما أن المناطق المحررة من قبضة "جيش الأسد" نمت فيها مؤسسات وليدة، بعضها متعثر وبعضها أثبت كفاءته، وبعضها يشوبه الكثير من الإشكالات، إلى جانب نفوذ الفصائل العسكرية المسلحة، وتنوع مشاربها، ورغم تناحر القليل منها، فإن الأكثرية العظمى تتمسك بالتنسيق الميداني، وتجنح دومًا على الرغم من كثرة الإشكالات، إلى حلها بطريقة ترضي الجميع.

فالصورة إذن في المناطق المحررة ليست وردية، ولكنها ليست قاتمة تمامًا، وهي على كل حال لن تتأثر بسقوط النظام وانهيار مؤسسات البطش والدم التي يملكها، كما سيكون الحال بالنسبة للمناطق الخاضعة لهذه المؤسسات، وهو تأثير كما أوضحت يبقى أهون بكثير من استمرار بركان الحقد والطائفية والتمسك بالسلطة بإلقاء حممه على أكثرية الشعب السوري، وأهون من استمرار شلال الدم السوري، ونزيف الكرامة والإنسانية التي لم تنضب بعد في صدور الشعب رغم جراحه ومعاناته القاسية.

الدولة بطبيعتها نظام، أي يفرضه الناس على أنفسهم ولا يوجد بمحض الصدفة. والنظام بهذا المعنى لم يكن يوما غاية بنفسه، بل هو وسيلة لتحقيق غاية أسمى، مرتبطة بالإنسان وأهداف وجوده على الأرض، وتحقيق قيم العدل والتعايش في مجتمع مستقر، والدولة التي لا تحقق مصلحة الإنسان وتوازن بين الفرد والمجتمع دون ظلم أو تعسف لا حاجة له بها، نقول هذا ونحن نجزم أن الأسد وزمرته ليسوا الدولة السورية، ومهما ارتبط مصيرهم بها فإنه لن يكون مدعاة سوى لمزيد من الثورة على هذا الواقع المشوه، والدولة الممسوخة، على الأقل لاستعادتها ممن خطفها وخلق ثروته عن طريقها، وحولها فوق كل ذلك إلى أداة عائلية يسوم بها الشعب سوء العذاب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع