المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم العلبي Headshot

المعلن والمستور في اتفاق فيينا بشأن سوريا

تم النشر: تم التحديث:

مع الكشف عن وجود وفد روسي في الغوطة الشرقية بهدف إرساء هدنة بين فصائل الثورة وقوات الأسد وفتح المعابر بين الطرفين، وإن لم تبدأ فجر الخميس كما كان مقررا، تكون معالم المرحلة القادمة من المشهد السوري قد اتضحت، والضبابية التي سادت طوال سنتين ونصف وتعقدت منذ العدوان الروسي قد أوشكت على الزوال، ومسار فيينا قد وضع فعليا على السكة.

اتفقت دول مجموعة الاتصال حول سوريا، والتي تضم محورا داعما للأسد، وآخر داعما لمطلب رحيله، في فيينا على خطة زمنية لعملية سياسية انتقالية تبدأ بمفاوضات بين السوريين تفضي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية ودستور جديد بإشراف دولي، يترافق ذلك مع وقف لإطلاق النار لا يشمل داعش ولا جبهة النصرة، بالإضافة إلى وضع قائمة للمنظمات الإرهابية التي يتفق عليها أعضاء مجموعة الاتصال، وهذه زبدة الاتفاق الذي يراد له أن يرسم ملامح شكل سوريا في الأمد المنظور.

بنود اتفاق فيينا تتحدث عن محطات عامة في مسار العملية السياسية ولكنها لا تجيب على كثير من الأسئلة، بل من الواضح أنه تم الاتفاق على عدم الإجابة عليها في نص الاتفاق، مثل ما مصير الأسد بعد الانتخابات، وهل سيترشح لها، وما هي صلاحياته خلال فترة الإعداد للانتخابات من قبل الحكومة الانتقالية؟ ماذا عن مؤسسات الدولة كالجيش والشرطة والأمن؟ هل يراد بالمحافظة عليها، بحسب النص، عدم إعادة هيكلتها؟ وما هو مصير مقاتلي الكتائب الثورية والجيش الحر؟ والأهم من ذلك: ما هو مصير من لا يوافق على التفاوض مع الأسد من الفصائل المقاتلة ولا يلتزم ببعض أو كل مخرجاته كوقف القتال مثلا؟

المؤشرات على قبول الفصائل الثورية، أو جلها على الأقل، بأولى خطوات خطة فيينا متوفرة، إذ إنها مدعوة جميعا "وبدون استثناء" لحضور مؤتمر المعارضة السورية الذي سيعقد في السعودية الشهر القادم، والغاية من المؤتمر بحسب تصريحات المسؤولين الدوليين هو توحيد المعارضة على جميع المستويات وتشكيل الوفد الذي سيتولى التفاوض مع نظام الأسد، وربما الأعضاء الذين سيشاركون في الحكومة الانتقالية،
فضلا عن الائتلاف الوطني، كبرى الفصائل العسكرية، بما فيها حركة أحرار الشام وجيش الإسلام، بعثت بإشارات على قبولها الانخراط في مسار فيينا، فمقال مسؤول العلاقات الخارجية في أحرار الشام، لبيب نحاس، الذي نشر في صحيفة الحياة بعنوان "حان وقت تحرير سوريا من الاحتلالين السوري والإيراني" تضمن دعوة الفصائل والجيش الحر إلى "تشكيل تمثيل سياسي موحد"، واعتبر أنه "آن الأوان لأن تكون الثّورة السورية شريكاً أساسياً مؤثّراً وفاعلاً في حلفٍ إقليمي مع تركيا وقطر والسعودية في وجه ما يحاك للمنطقة، وأن يكون السوريون جزءاً من القرار وليس مجرد متفرجين"، وكذلك الحال بالنسبة لموافقة فصائل الغوطة الشرقية على التفاوض مع روسيا على هدنة لـ15 يوما، فهي تجربة أولية لنموذج تطبيق وقف شامل لإطلاق النار.

إن الأسئلة التي أثرتها قبل قليل ليست مجرد عصف ذهني، فهي أسئلة طرحت بالفعل من قبل السوريين على أمريكا وشركائها الغربيين، وتمت الإجابة عنها بتقديم ضمانات غير معلنة، تحدث عنها رئيس الائتلاف وكذلك مصادر في الفصائل لوسائل إعلام عديدة، تشمل عدم استخدام الأسد لصلاحياته اعتبارا من تشكيل الحكومة الانتقالية، وعدم ترشحه للانتخابات الرئاسية، أما مؤسسات الدولة فقد تعهد الطرف الغربي بإتاحة إجراء إعادة هيكلتها ودمج مقاتلي الجيش الحر والفصائل الثورية بها، وهذا ما نقله خالد خوجة رئيس الائتلاف عن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، الذي أكد له بأن اتفاق فيينا لن يخرج عن إطار جنيف وما نص عليه لجهة "الصلاحيات الكاملة" الممنوحة لهيئة الحكم الانتقالي وإعادة هيكلة المؤسسات.

وبات واضحا أن الفصائل أو الجهات التي لا تلتزم بهذه العملية السياسية، وخاصة ما يتعلق بوقف إطلاق النار الذي يفترض في بيان فيينا الوصول إليه بالتوازي مع انطلاق العملية السياسية، ستواجه عصا التصنيف بين المنظمات الإرهابية، مع إمكانية اعتماد هذا التصنيف عبر مجلس الأمن، وهذا يعني مزيدا من التعقيد لا الحل، ما يدعو للاعتقاد بأن العملية برمتها لا تهدف إلى "إنهاء" الأزمة بل إلى حصرها داخل الحدود وتثبيتها عند مستوى معين، للانطلاق منه إلى الهدف الموحد للقوى الغربية وروسيا وإيران، المتمثل بقتال داعش.

ويتعزز هذا الاعتقاد مع صدور تصريحات رسمية تتحدث عن قوات دولية ستدخل إلى سوريا لتراقب وقف إطلاق النار الذي نص عليه اتفاق فيينا، على غرار ما تفعله الأمم المتحدة في مناطق نزاع عديدة حول العالم، وهو ما أكده اليوم الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي الذي أكد أن إيفاد مراقبين او قوات "لحفظ السلام" في سوريا سيكون جزءا من قرار يصدر عن مجلس الأمن يعتمد ما تم الاتفاق عليه في فيينا.

دخول قوات دولية لـ"حفظ السلام" سيعني فيما لو حدث أن الإرادة الدولية ليست معنية بديمقراطية مستقرة في سوريا، بل بتثبيت مستوى الصراع عند حد معين، والدخول في لعبة القط والفأر فيما يتعلق بالسيطرة الميدانية، وإعادة رسم خارطة السيطرة وحصرها بجهتين، "الدولة السورية" مكونة من النظام والمعارضة، والتنظيمات "الإرهابية"؛ داعش والنصرة ومن يلحق بهما من رافضي العملية السياسية، بالإضافة إلى الكيان الكردي المدلل بقيادة حزب PYD المتطرف، الذي يبدو أنه سيكون أكبر المستفيدين من هذا التقسيم، بعد أن عاش شهور عسل طويلة في ظل إدارة أوباما.

المؤكد أن المجتمع الدولي يطبخ اتفاقاته فيما يتعلق بسوريا وغيرها بناء على معطيات ميدانية وسياسية كثيرة، ولا يمكن التوافق بين قطبي العالم إلا في إطار هذه المعطيات بالإضافة إلى الأهداف الخاصة بكليهما، وهذا يعني بالضرورة أن كرة مستقبل سوريا لا تزال في ملعب الفصائل الثورية والجيش الحر والطبقة السياسية، ومدى توفر قابلية المناورة لديهم وحسن اللعب على التناقضات الدولية والإقليمية، بالإضافة إلى عدم التسليم بحتمية المآلات المرسومة، فديناميكية الصراع تلعب دورا ليس في حدود التوافقات الدولية فحسب، بل في رسم مآلاتها، وإخراجها عن غاياتها في كثير من الأحيان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.